دفع الإفتراء أم نبذ الحقائق؟!
تعقيب على تعقيب الأستاذ محمد عبدالخالق بكري:
![]() |
| د. النور محمد حمد |
![]() |
| د. محمد عبدالخالق البكري |
(يهدى هذا المقال إلى: حسن محمد سعيد)

أ. الكاتب. حسن محمد سعيد
في مقال له، حمل عنوان (تعقيب على د.النور حمد: دفع الإفتراء عن الطيب صالح وآخرين)، حاول الأستاذ محمد عبدالخالق أن يدافع عن الطيب صالح وآخرين.. ولكني أرى أن مرافعته قد ضلت الطريق الى ذلك، خصوصا في ختامها. وفي البدء فإن القارئ والعارف والمتابع لمحاضرات وكتابات د. "النور محمد حمد" لا يجد فيما يقوله قدحا في الطيب صالح. فهو يعرف للطيب صالح فضله الروائي، ويعرف له من طيبة الأخلاق والأدب الكثير، ويعرف له من الأفضال ما تفضل به في أكثر من محفل. ويكفيني هنا أن أنقل ما لفت نظري له صديقي محمد حسبو، من مقالات النور حمد، حيث قال ما يلي عن الطيب صالح:

![]() |
| النور |
لهذا فإني لا أرى من سبب يجعل الأمر بالصورة التي صورها الأستاذ الفاضل، محمد عبدالخالق، واصفا الأستاذ النور (بالتجني) وبـ (الافتراء) هكذا "مرة واحدة"!!
وثانيا فإن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق (وهو يحاول أن يدفع إفتراء عن جيل كامل) قد خلا– عكس مقال النور حمد ـ عن أي مرجع يسند به كم المعلومات الوفير التي أتحفنا بها، اللهم الا مرجع واحد لا غير (مقال لمحمد المهدي بشرى)، جعله به – على حد قوله ـ من المحققيين لـ (تيار سودانى نظر بعين النقد للفكر والادب السوداني في علاقته بالثقافة المصرية، وهذا أمر موثق ومدروس).
هكذا يريدنا الأستاذ محمد عبد الخالق أن نسلم لتحقيق د. محمد المهدي بشرى، ونرمي كل ما نعرفه عن التأريخ إلى وراء ظهورنا، وبين ايدينا شواهد تاريخية ومراجع وعشرات الأوراق، مما يعود إلى قبل سبعينيات القرن المنصرم. ومرجع ثاني لا ضرورة له إطلاقا وهو (محمد عمر بشير) إذ لم يذكر لنا في أي صفحة بالضبط نبحث، حتى نصل الى تقريره الذي قرره. وليس بالطبع ما قرره هو عمل معاوية في الغرفة التجارية، كما ورد في المرجع، بل رضاء الإنكليز عن معاوية ومكافأتهم له الى آخر التقريرات التي ذكرها الأستاذ محمد، ومما سنبينه بعد قليل. ما خلا هذين المرجعين لا يوجد، لا هامشا ولا متنا، ما يسند المغالطات التاريخية، والإستبطانات الغريبة، والتهم الغامضة، مما سنأتي عليه في موضعه.
في محاولة الأستاذ الفاضل/ محمد عبدالخالق لكي (يدفع الإفتراء) عن الطيب صالح، ورد تحوير للحقائق التأريخية بصورة مؤسفة، حتى بلغ أن ساقته عباراته لإتهام (معاوية نور) في أكثر من موقع، بصورة لا تمت للحقائق بصلة. كتب الأستاذ محمد عبد الخالق:
((لم يعرف عن معاوية نور صدام مع الاستعمار بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه تجاه قضية الاستعمار واستقلال السودان))
وكتب:
((كان معاوية يرى، ومعه في ذلك محمد عثمان القاضي، أن المستقبل الأمثل للسودان هو أن يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية، يعنى لا استقلال ولا يحزنون)).
أما الثالثة القاتلة، فيما كتب، فهي:
((كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية، فلم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932، رفضها بحجة انها غير مناسبة لرجل في مؤهلاته. وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173).))
إن ما ذكره الأستاذ محمد عبدالخالق هنا عن معاوية لا يمت لواقع الأمر بصلة، بل إن الحقائق والمواقف لتبدل والأقوال لتخرج في غير مقصدها. ففي حين يقول الأستاذ محمد عبدالخالق أنه لم يعرف عن معاوية صدام مع الإستعمار، نعرف جميعا أن معاوية قد كان مصادما للإستعمار. فالصدام ليس حصراً في أن ينتظم أحدهم في جمعية "مثل اللواء الأبيض"، أو أن ينظم عملا مسلحا، ولكن الصدام أن تكشف الزيف والإدعاء وتواجهه بوسائلك التي تراها مناسبة، وكانت وسيلة معاوية المتاحة له هي قلمه، (مثله مثل الطيب صالح)، ولكنه قلم لا يستطيع أن يقنعنا الأستاذ محمد عبدالخالق بأنه قلم مهادن الا اذا أقنعنا بأننا لا نفهم ما يُكتب باللغة العربية. يقول معاوية نور في ما كتبه عن وصف السودان:
((ذهبت الى السودان بعد غياب عامين ونصف، وكنت أمني النفس في الطريق أن أرى وطني على خير ما يود الوطني لبلاده من مظاهر الحياة ودلائل التقدم وإطراد سبل التحسن والعمار............ فماذا رأيت؟..... رأيت أرضاً واسعة منبسطة تلمع فيها الشمس نوراً خاطفاً وترسل من لهيبها ناراً محرقة ورأيت الأهلين يمشون فرادى وجماعات قليلة، ساهمي النظر ضعيفي الأجسام متئدي الخطى من أثر الجو المحرق، والتغذية الضعيفة، والحميات الوافدة ، وأوامر الرجل الأبيض العاسفة)).
فمن هو هذا الرجل الأبيض الذي يصفه معاوية بالعسف هنا؟! أليس المستعمر؟ أوليست هذه العبارة مصادمة وقوية ومواجهة بل وثورية أيضا؟!! ثم يستطرد معاوية:
((صورة عامة لا نشوز فيها ولا شذوذ اللهم إلا حياة الرجل الأبيض وسط هذه الإنسانية السوداء . فالرجل الإنجليزي مهما صغرت وظيفته يحيا وينعم في أرض السودان بآخر ما أعدت الحضارة الأوربية من وسائل الراحة ووسائل التنعم و نواحي الرياضة والتسلية. فهو يسكن في فيلا تحوطها الجنان والخضرة من كل جانب، بها ميدان للتنس وجراج للإتومبيل " ومرواح" تخفف من وطأة الحر "وثلج" في أيام الصيف يحيط بالجدران. ويلعب البولو في سهول أرض الرجل الأسود. وله من الخدم والحشم العدد الوفير. نهاره عمل بسيط في مكاتب أنيقة، وليلة رياضية وتسلية يتانق فيها ويحيطها بترف ورفاهية . فاذا ما فرغوا من التنس أو البولو فهناك نواديهم الكثيرة يسمرون فيها الى ساعة متأخرة من الليل والتي يكلف الواحد منهم الخزينة السودانية ما يترواح بين عشرة اللآف من الجنيهات يحيون الحفلات الراقصة، ثم نوم هنيء مريء وأحلام سعيدة هانئة ! حقاً إن عبء الرجل الأبيض لعبء ثقيل فادح!))
لعمري إن هذا القول من معاوية في تلك الحقبة ماكان يجروء مجترئ على قوله، بل رأينا وبعد هذا التاريخ بأمد كيف كتب رموز حركتنا الوطنية للإستعمار وزيلوا خطاباتهم له بعبارة (خادمكم المطيع- ابراهيم أحمد- رئيس مؤتمر الخريجين.)، وابتدأت المذكرة بعبارات من شاكلة:
((يا صاحب المعالي يتشرف مؤتمر الخريجين العام ان يرفع لمعاليكم بصفتكم ممثلين لحكومتي صاحب الجلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى والملك فاروق ملك مصر)).. راجع محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث، 1820-1955، مركز عبدالكريم ميرغني ط1 2002، ص533).
هولاء كان فيهم ممن ذكر الأستاذ محمد عبدالخالق وأكثر منهم، ولكنا لسنا بصدد نقدهم الآن، بل بصدد توضيح الموقف الصمدي الفريد، فما كان من تعميم في حديث الأستاذ النور هو مراعاة منه لطبيعة مقاله، وحقله المعرفي، وإلا فإن لدينا من الشواهد والمراجع ما نثبت به خور وضعف الحركة الوطنية عموما، وبالأخص الذين ذكرهم الأستاذ محمد عبدالخالق.
ومقالات معاوية كثيرة ومتنوعة في نقد الإستعمار وسياساته ليس في ذلك شك، ولكن الغريب أن يحصر الأستاذ محمد عبدالخالق المقارنة التي أجراها الأستاذ النور، بين معاوية والطيب، في النضال ضد الإستعمار، وكأن الطيب صالح ومعاوية رمزين من رموز النضال ضد الإستعمار! كتب الأستاذ محمد عبد الخالق:
((مع ذكر الحكم والحكام والمستضعفين والاستعمار وحقوق بنى البشر يتصور المرء ان لمعاوية باع كبير في هذا النضال يتقزم أمامه الطيب صالح)).
في حين أن مقارنة الأستاذ النور حمد بين معاوية نور والطيب صالح مقارنة نقلها الأستاذ النور من كلام الطيب صالح، مما خطه بيديه، مؤكدا فيه على مقاومة معاوية ونضاله ضد الإنجليز.. نقل النور حمد عن الطيب صالح:
![]() |
| الطيب صالح |
ومقارنة النور تقوم هنا في عبارة واحدة وهي مقولة الطيب: (وانهزم..)
فرؤية الطيب صالح للإنهزام توضح مفتاح شخصية الطيب، ومن هذا المفتاح نستطيع الدخول لعوالم الطيب "غير الروائية" لنجد فيها إنسانا دمثاً وطيباً ومؤدباً ومهذباَ ولكنه غير صدامي، ولا يحب المواجهة، ويكره الخروج على المألوف، ويحب الهدوء، ويفضل أن ينحني للعاصفة لكي تمر- كما وضح الأستاذ النور في مقالاته حيث قال:
((فربما حالف الأستاذ الطيب صالح الصواب أكثر، لو أنه نعى على الظرف غير المواتي الذي أحاط بعبقرية معاوية، بدلاً عن نعيه على معاوية كونه لم يرتض الحلول الوسط، واختار مواقف صارمة مما يحيط به، أو كونه اختار خيارات لم يكن الواقع مهيأً لقبولها، في ذلك الوقت)).
هنا جوهر المقارنة، ويجب ألا يتم اختزالها وكأنها مقارنة (مناضل سياسي بمناضل سياسي آخر)، كما حاول أن يقول الأستاذ محمد عبدالخالق لأن نص الأستاذ النور الأهم هو:
((فشمل صدامه أسرته، والمستعمر، والقالب الذى أراد أن يصب فيه ناشئة المتعلمين السودانيين))
مما يعني أنه لم يقصد النضال السياسي فقط وإن عُرف ذلك عن معاوية أيضاً.. هذه نقطتنا الأولى في ما نقلناه عن كتابة الأستاذ محمد عبدالخالق وأما نقطتنا الثانية في ذات الجزئية فهي قوله: ((بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه تجاه قضية الاستعمار واستقلال السودان)).
ولعمري لست أدري كيف يمكن الخلوص الى عدم صدام معاوية بـ(استهجان) الكثير أو القليل لعمله؟!! فمن هم هولاء الذين إستهجنوا موقف معاوية؟ هل هم ياترى جماعة (خادمكم المطيع) أم جماعة (ياصاحب السعادة) الذين "تخوتنا" الإذاعات بنضالهم مما لم يتم استهجانه (من قبل الكثيرين).
أما نقطة الأستاذ محمد عبدالخالق الثانية –وهي مرتبطة بالجزئية الآخيرة من نقطته الأولى- هي:
((كان معاوية يرى، ومعه في ذلك محمد عثمان القاضي، ان المستقبل الامثل للسودان هو ان يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية، يعنى لا استقلال ولا يحزنون)).
ويستطرد الأستاذ محمد عبدالخالق في الشرح أكثر فيقول:
((بل كان معاوية من دعاة التعاون بين الانتلجنسيا السودانية والبريطانيين وذلك حتى لا يسيطر زعماء القبائل على السياسة السودانية)).
هنا يظهر جلياً تحوير الحقائق... فدعوة معاوية للتعاون بين ما أسماه الأستاذ محمد "الإنتلجنسيا" السودانية والبريطانيين، هو في حقيقته موقف مصادم للإستعمار الإنجليزي لا العكس. فالنظام الإستعماري فرض بعد عام 1924 سيطرة زعماء القبائل على السياسة السودانية!!! ولقد رأينا كيف واجه المستعمر رواد مؤتمر الخريجين فيما بعد، بأنهم ليسوا ممثلي الشعب بل زعماء القبائل هم ممثلوه. (راجع القدال، مصدر سابق).
لهذا فإن الأصوب أن يكتب الأستاذ محمد:
(الإنتلجنسيا السودانية والبريطانية)
لأن الإستعمار في نظر معاوية ذو وجهين أولهما كولونيالي إستغلالي، وثانيهما ثقافي حضاري، وإلا فإن قوله بتعاون معاوية والانتلجنسيا السودانية بكفة، مع بريطانيا (مجردة هكذا) في كفة أخرى، يعد تزييفا لا غير. فالتعاون بين الثقافة الحقة في الغرب وبين ثقافتنا لا يعد غير دليل على الوعي بأفضل طرق للمصادمة.. هي المصادمة المعنية هنا لا الإستكانة. والغريب أن هذا ما لاحظه الطيب صالح، الذي إنبرى الأستاذ محمد للدفاع عنه. قال الطيب صالح: ((كانوا يريدون أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن يبحث عن مفتاح للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم)).
وهذا هو عين ما سبق أن أشرت إليه، بأن التعاون بين الانتلجنسيا السودانية والبريطانية لم يكن تعاونا إنهزامياً، وهو نفس ما عبر عنه الطيب صالح.
أما قول الأستاذ محمد عبد الخالق:
((..أن المستقبل الامثل للسودان هو ان يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية ، يعنى لا استقلال ولا يحزنون))
فهو قول مستغرب من الأستاذ محمد عبدالخالق وغريب أن يصدر من شخص في مكانته، فأدنى معرفة بالتاريخ السياسي السوداني تجعلك تدرك تماما أن مفهوم (الإستقلال نفسه، ومعه يحزنون، مثل حزننا الآن) لم يكن متوفرا في السياسة السودانية حتى (1945)، وأن أول من نادى بالإستقلال التام (عن بريطانيا ومصر سوية) وإقامة جمهورية سودانية مستقلة هو الحزب الجمهوري في التاريخ السابق. وكان من المعروف أن الحركة الوطنية برمتها قد إنقسمت الى قسمين أحدهما يرى ضرورة التعاون مع بريطانيا لإيقاف الأطماع المصرية في السودان، وثانيهما يرى العكس وهو التعاون مع مصر، ومعاوية عندما يعبّر عن وجود السودان تحت ظل وزارة المستعمرات لا يكون معبرا عن رأي إنهزامي أو غير صدامي للإستعمار.. ولكن ما إستوقفني هي عبارة (المستقبل الأمثل للسودان) وهذه طبعا لا يمكن أن تكون قد صدرت عن معاوية نور، لأنه وكما هو متاح في مقالاته كان يرى ضرورة وحدة وادي النيل وكان يتحدث دوما عن وادي النيل وأدب وادي النيل!!! ولأن النقل من كتاب محمد عمر بشير يقول وبالحرف:
(بأن المستقبل في ظل وزارة المستعمرات يعتبر أفضل حل لمشكلة السودان)(م ع بشير ص173 مصدر وارد في مقالة الأستاذ محمد عبدالخالق)
وليس كما ذهب الأستاذ محمد بأنه (المستقبل الأمثل)!! وشتان بين أفضل حل لمشكلة وبين الحل الأمثل!!
وفي نقطته الثالثة يقول الأستاذ محمد عبد الخالق:
((كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية، فلم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932، رفضها بحجة انها غير مناسبة لرجل في مؤهلاته. وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173).))
وكنت قد قلت سابقا بأن مقال الأستاذ محمد عبد الخالق يخلو من المراجع خصوصا وأنه يريد أن يوهمنا بعكس ما هو معروف بطريقة توهم القارئ بأن هذا هو المعروف.. وكمثال فقط:
((لم يعرف عن معاوية نور صدام مع الاستعمار بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه))
بالطبع فإن من يقرأ هذه الجملة يظن بأن كاتبها قالها ولديه المراجع الكافية ليدفع الإفتراء ويفتري هو.. ولكن الحق أن هذه الجملة بكلياتها عكس أي مرجع "مزعوم" في هذه المقالة فلا يمكن أن تكون قد وردت لدى الدكتور الفاضل "محمد المهدي بشرى" كما لا يمكن أن تكون قد وردت في كتاب "محمد عمر بشير" لأن المراجع التي بطرفنا جميعها تؤكد عكس هذه المقولة تماما. كما أنها تؤكد خطأ مقولة الأستاذ محمد عبد الخالق.
((كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية))
فهنا أيضا نلمح العبارة الواثقة التي لا يمكن أن يتصور قارئها بأنها غير مسنودة بمراجع!! ولكن ما تقوله الوثائق يعارض تماما ما يقوله الأستاذ محمد عبد الخالق، ولندع معاوية يحدثنا. يقول معاوية:
((ولأضرب مثلاً صغيراً وقع لي، لانه دليل واضح على سياسة التعليم في تلك البلاد. بعد أن أتممت دراستي بكلية غردون وأردت أن أتعلم في الخارج لحسابي قامت في وجهي عراقيل كثيرة. فتارةً يمانعون في إعطائي جوازاً للسفر، وطوراً يفهمونني أنني سوف لا أُوظف في الحكومةعند عودتي، وحيناً آخر يعرضون على مرتباً ضخماً لكي أنثني عن عزمي. فلما لم ينفع كل ذلك، ذهبت إلى جامعة بيروت الأمريكية وتخرجت ثم ذهبت في الصيف الماضي للخرطوم، وطلب مدير المعارف هناك مقابلتي، وكنت مرشحاً للتعليم بكلية غردون فذهبت إليه وقابلته وعلمت عقب محادثتي هذه معه أنه كتب عني إلى من يهمهم الأمر: (not the type, too clever) ومعنى ذلك بالكلام البلدي )مش العينة المطلوبة. ده بيفهم!) ولهذا السبب أنا خطر على زعمه في كلية غردون، لايمكن قبولي مدرساً بها. بل الأفضل أن أكون بعيداً عن الطلبة والتعليم!)) من مقاله (سياسة التعليم في السودان- بتصرف)
هل هذه صورة شخص كان مرضياً عنه من قبل الإدارة الإستعمارية؟ بل الأدهى هل يمكن أن تكون هذه صورة لشخص: ((لم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه)) وبماذا كافأه البريطانيون على تمرده على قالبهم التعليمي؟! بوظيفة لا تمت لدراسته المتمردة بصلة!! أم بعدم قبوله مدرسا في كلية غردون!! يقول محمد عبد الخالق: ((بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932))!!
لهذا فقد قلنا قبلا عن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق (إن الحقائق والمواقف لتبدل والأقوال لتخرج في غير مقصدها) لأن المستغرب هو أن يعطى معاوية وظيفة (بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932!!!)-التعجب لنا- وهو الرجل الذي درس الآداب وكان- كما قال: (مرشحاً للتعليم بكلية غردون) فالتدريس في كلية غردون هو الوضع الطبيعي، لشخص كمعاوية، مثله مثل إسماعيل الأزهري الذي درس في بيروت ودرّس في غردون ولكن بدلا عن هذا يخبرنا الأستاذ محمد عبدالخالق:
((وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان).))
لماذا ننظر لمحمد عمر بشير ونحن نعرف هذه المأساة التي حولها لنا الأستاذ محمد عبد الخالق، وببساطة، لمكافأة وتقدير!!
ثم يقول الأستاذ محمد عبدالخالق (انظر محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960 ، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173.)
وبالطبع فإن المرء عندما يثبت مرجعا فهو يريد أن يثبت به واقعة ما، فماذا يوجد بالضبط في صفحة 173 من كتاب محمد عمر بشير..بالطبع فإن ما يوجد في تلك الصفحة لا يخول للأستاذ محمد عبدالخالق أن يقرر لنا تواطؤ معاوية مع الإنكليز أو رضاهم عنه، أو منحهم له الجائزة تلو الجائزة. كما ان تلك الصفحة لا تنفي بالمقابل نضال معاوية ضد الإنكليز، أو دوره الريادي في كافة القضايا الثقافية والسياسية. أزيد من هذا فإن المرجع يظهر وكأنه حجة لكل ما كتبه الأستاذ محمد عبدالخالق من آراء مما يجعل القارئ يظن أن آراء الأستاذ محمد هي عين ما ورد في مرجع الأستاذ محمد عمر بشير!!
في حقيقة الأمر أن تلك الصفحة من كتاب الأستاذ الفاضل/ محمد عمر بشير، وتلك المقالة للدكتور الفاضل/ محمد المهدي بشرى، لا تجعلا هذا الكم الهائل من الإفتراء حقا..
![]() |
| الشاعر: محمد المهدي المجذوب |
(٢)
الأدهى (والأنكى) هو ما قام به الأستاذ محمد عبد الخالق – في آخر المقال- من "مطاعنات" كقوله:((والمؤسسات هي الاجدر في ظنى بنقد من يدعى الانتماء لحركة تنوير ما. وصحن الدكتور النور حمد طافح بما يستحق النقد في هذا الشأن فيما يتعلق بماضى حركته تجاه الحكام والمستضعفين من الرجال والنساء، ولا اعنى بذلك مماحكة سياسية تربط حركته بنظام نميرى وإنما اعنى لحمة الفكرة وسداها كما عبر عنها الاستاذ محمود محمد طه منذ خطابه للواء محمد نجيب بعد ثورة يوليو المصرية الى مواقف بعينها حول قضايا الديمقراطية والسلام والتغيير الاحتماعي))!! -التعجب لنا-.
وكعادته-في هذا المقال- فإن الأستاذ محمد عبدالخالق وهو يحاول الدفع أو الدفاع يضل الطريق الى أشخاص متوهمين أو أفعال متوهمة ويحاول إلصاقها في الواقع وبطريقة "متعالية" لا تمت للفكر بصلة.. وكالعادة دون مراجع أو مصادر.. ثم كالعادة بصورة مبهمة وغير متوقعة إطلاقا!!
ولو كان رد الأستاذ محمد بأنه ما أراد التفصيل لخصوصية ورقته، فلماذا أقحم هذه النقطة بالذات في أمر لا يمثل فيه الأستاذ النور مؤسسة أو حزب أو جهة بل يمثل أفكاره الشخصية وهو شخص راشد يمكنه أن يرد ويتحمل نتيجة فعله. ولماذا هذا التجني على شخص وعلى مجموعة مثل الأستاذ محمود والأخوان الجمهوريين؟!!
وعلى العموم فإن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق هذا، ووفقا لماذكره فقط، يمتلئ بالأخطاء، فليس الأستاذ محمود- فكرا وشخصا- بمن يحق فيه أن يقال:
(يدعي الانتماء لحركة تنوير)
لأنه لا يدعي بل هو وبحق من رموز التنوير، وله أطروحة فلسفية متكاملة، كانت، ولا زالت، صاحبة الريادة في كثير من قضايا الحقوق والتنوير. وليس أمر الفكرة الجمهورية، ولا الأستاذ محمود، بمبهم أو غامض فهو مبذول وميسر لكل من أراده في كتب الجمهوريين وفي موقعهم على الإنترنت www.alfikra.org، وللأستاذ محمود محمد طه أكثر من ثلاثين مؤلفاً، كتبت في أربعين عاما، ولست أدري كيف يمكن أن تؤخذ (لحمة الفكرة وسداها) من خطاب واحد وجه لـ (محمد نجيب) أو من أي موقف كان، دون كتب الأستاذ محمود التي وقف نفسه لنشرها وشرحها بين الناس.
![]() |
| الاستاذ محمود محمد طه |
إن القاصي والداني وكل صاحب فكر حر يعرف أن الأستاذ محمود أصلب من قاوم الإستعمار، وأشد من دافع عن الحرية والديمقراطية والمستضعفين، وقدم نفسه رخيصة دفاعا عن الشعب الذي يجلد ويذل على يد المهوسيين، في حين قبع الكثيرون داخل أقبيتهم المظلمة يتفرج على المهازل والمشانق المشرعة.
ثم لا أدري كيف وقع هذا التقرير من الأستاذ محمد عبدالخالق:
(وقد بدأ حقيقة أثر الايديولوجيا ثقيلاً في مساهمة الدكتور النور مع اسقاط هذه الاسماء والزج باسم الاستاذ محمود محمد طه في قضية لم يكن اصلاً طرفاً فيها!!!)-التعجب لنا- ويزداد التعجب عندما نسمع عن جوهر القضية من الأستاذ محمد عبدالخالق:
(فاذا كانت القضية هى حول الذاتية السودانية في علاقة ادابنا بالمصريين، وهى بالفعل موضوعة مركزية فى المقال، فالاولى ذكر هؤلاء الكتاب لا الاستاذ محمود محمد طه)!! -التعجب لنا-
ولا أدري هل الأستاذ محمد عبدالخالق من المضللين "بفتح اللام" أم من المضللين "بكسرها" الذين أغفلوا دور الأستاذ محمود في الساحة الأدبية والثقافية والسياسية وهو المولود في ذات العام الذي ولد فيه معاوية وكان له من الإسهامات الأدبية والسياسية، الشيء الذي لا ينكره مفكر حر..
ففي قضية الذاتية السودانية، بالذات، وعلاقتها بالمصريين أدبا وسياسة كان له باعا طويلا مما طاب للأستاذ محمد أن يسميه (اللهم الا اذا كان الحوار مع اسماء مصرية شهيرة هو اساس التقرير بالشبه بين معاوية نور والاستاذ محمود محمد طه)
وبالمقابل فإن ما أسماه الأستاذ محمد عبدالخالق مجرد (حوار مع اسماء) كان هو نفسه -وللعجب- دليله على ريادة محمد أحمد المحجوب التي حاول أن يشطره بها مع معاوية!! فهو ولإثبات ذلك قال عن الدكتور محمد المهدي بشرى:
(لكنه اثبت معركة محمد احمد المحجوب مع الكاتب المصري حسن صبحى حول علاقة الثقافة السودانية بالمصرية)!!

فهل يا ترى كانت تلك المعركة، التي قصدها الأستاذ محمد، مما يُعد لها المشرفية والعوالي! أم أنها كانت على أسنة الأقلام وهيجاء الورق! ولماذا يعد هذا موقفا رياديا ولا يعد موقف الأستاذ محمود الذي نادى، أول ما نادى، المحجوب والأزهري وكل رواد الحركة الوطنية، قائلاً:
(هذا نذير من النذر الأولى ..... ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة – أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها .. ياهؤلاء، وهؤلاء، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز، فاذا اجتمعت كلمتكم فانما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا ..)
لا أدري أبدا، ما هو السبب الذي يجعل المحجوب رائدا من رواد الدفاع عن الثقافة السودانية، لمجرد أنه ناقش شخصية مصرية، في حين تصبح كل حوارات الأستاذ محمود محمد طه مع كل العرب الذين ملأت شهرتهم الآفاق، مجرد زج "أيدلوجي"! الحق إن تجني الأستاذ محمد عبدالخالق يستشعر المرء من خلفه غرضا، ويشتم شميم ضغينة لا مبرر لها.
ومن التزييف أن يكون هناك كثر مع معاوية ممن كان لهم اسهاما "كبيرا" في الساحة الثقافية، ثم لا يكون هذا الإسهام واضحا للعيان الا بعد أن (يُحقق ويُوثق) في (مقالة) يتيمة للدكتور (بشرى) قبل أكثر من "ثلاثين" عاما –وهي ليست بالعمر الطويل كما يتوهم القارئ، أو الأستاذ الخال/ محمد عبدالخالق فلقد كنت مولودا وقتها وليس تاريخ ولادتي بعمر طويل لو حسب- في حين أن اسهام معاوية لم يكن محتاجا للدكتور بشرى من أساسه. كما أن تردي الواقع الثقافي لم يذكره النور حمد من هواه بل ذكره (وبنقل طويل) من "حسن نجيلة" لن نتطرق له كله الآن ولكننا سنورد جزءا منه حتى يستقيم في اذهان القراء مدى الإفتراء الذي وقع على الأستاذ النور، فلقد نقل النور عن حسن نجيلة الذي كتب عن زيارة العقاد للسودان:
(تحدث حديثاً سامياً رفيعاً صعُب على كثيرٍ من المستمعين أن يلاحقوه فيه)..
وقال أيضا :
(ولما فُتح باب النقاش عقب المحاضرة ظهر قصور آفاقنا الثقافية آنذاك عن مناقشته)
وآنذاك هذه تعني إبان الحرب العالمية الثانية أي بعد وفاة معاوية ومن ذكرهم الأستاذ محمد أحياء. ويقول نجيلة أيضا فيما نقله عنه النور:
(أما الذين تصدوا للنقاش فسرعان ما تكشف ضعفهم فاستسلموا صاغرين)
هذا ما هو "محقق وموثق" قبل أن يكتب الدكتور محمد المهدي بشرى مقالته. فلو كان الأستاذ محمد عبدالخالق يريد أن يحاسب احدا على قوله بتردي (وبلقع) الساحة الثقافية فليذهب بمقالته للمرحوم "حسن نجيلة" وليخبره بمقالة الدكتور الفاضل/محمد المهدي بشرى، التي نفى فيها ذلك (الضعف، والإستسلام، والصغار)...
.. وهذا ما جعل معاوية (نسيج وحده، ولا يزال، إلى اليوم، نسيج وحده! ومن جنس العباقرة الذين يعيشون وحيدين، ويموتون وحيدين)
وأما ما لم يُذكر في مقال الأستاذ النور حمد، هو أن معاوية كان رائدا في كل هذا، ليس في السودان وحسب بل في العالم العربي أجمع!! لقد كان معاوية رائد "النقد" العلمي في العالم العربي في حين كان غيره يذهب "للشخصنة" أو "للسرقة" بما فيهم "طه حسين" (ويمكنك مراجعة كتابة معاوية عن طه حسين في مجموعتي المقالات). وكان معاوية رائد "القصة التحليلية" في العالم العربي، وكان معاوية رائد "القصة القصيرة" الحقة لا ما سميت مجازا بقصة قصيرة في مصر وهي في حقيقة الأمر عبارة عن سرقات أدبية كتبنا عنها في أكثر من مقال. وكان معاوية رائد "الحداثة" في العالم العربي. وكان معاوية رائد "الترجمة عن الأفراد" فهو أول من عرّف الناس بـ"اليوت وغيره" لا أدونيس وصحبه. كان معاوية رائد "فن التفكير العلمي"، لكل هذا فإن مجرد مقارنة معاوية (بالمحجوب) أو سواه من شاغلي حقل الأدب هي قسمة ضيزى.
ما كان للأستاذ محمد عبدالخالق أن يتجنى على معاوية في محاولته تخليص غيره، وما كان له أن يزيف التاريخ بصورة شنيعة حتى يستقيم له ما أراد، وما كان له أن يبتر السياقات ويخرج المواقف تخريجات غير سوية، وما كان له أن يحاول إيهام القارئ بحقائق لم ترد إطلاقا ويحاول التأصيل لها في مراجع لا أخالها تسعفه في ذلك. بل كان عليه أن يقرأ مقالات الأستاذ النور حمد بصورة مجردة، ودون استبطانات مسبقة، حتى لا يصيب بسهامه آخرين لا ناقة لهم في الحديث ولا جمل.
ولا يفوتني في الختام أن أقرر كبير إحترامي ومحبتي وتقديري للأستاذ محمد عبدالخالق ولإبداعه واسهامه في الساحة الثقافية.. فله سلامي وتحياتي.
قصي مجدي سليم-الخرطوم
23/يناير/2010
التسميات: نقد أدبي، أدب سوداني، أدب عربي








0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية