الجمعة، 19 أكتوبر 2012

من قضايا المرأة- الحركة السياسية والإجتماعية في السودان - الوضع والتوضيع



بمناسبة اليوم العالمي للمرأة



لقد كانت الحركة الوطنية السودانية ومنذ (نوادي الخريجين)، ومرورا بمؤتمر الخريجين، منقسمة الى ثلاثة أقسام. القسمان الكبيران اتجه كل منهما الى طائفة من الطوائف الكبيرة (الختمية، الأنصار) وكان لكل منهما إتجاه سياسي إما (الوحدة مع مصر) وبدرجات متفاوتة بين الوحدة والإتحاد، والاتحاد الإسمي، وإما الإستقلال وبدرجات متفاوتة (استقلال تحت التاج البريطاني) او ضمن (التعاون البريطاني).
زيارة الملكة اليزابيث الى السودان عقب الاستقلال
القلة فقط هي التي عارضت هذه الآراء، وبُعدها عن المستقبل الأمثل للبلاد ودعت للإستقلال التام وإقامة جمهورية سودانية ديموقراطية. فيما بعد، وبعد أن بدأ النشاط السياسي لمؤتمر الخريجين بمذكرته الشهيرة للحاكم العام، ظهرت الإنقسامات بصورة كبيرة ورويدا رويدا بدأت الحركات السياسية والأحزاب تنشأ بعيدا عن المؤتمر حتى أفرغت المؤتمر من عضويته وأضطر في 1953 الى أن ينتهي تلقائيا، ولكنه كان قد إنتهى بالفعل منذ العام 1948م.1 

ليس فقط غياب المذهبية والرؤية الإستراتجية هي مظاهر حركتنا الوطنية منذ الفجر الأول لها، فحتى ذلك التاريخ الأول، ناهيك عن ذي قبل، فإن المرأة لم تكتشف بعد كعنصر في اللعبة السياسية. لم تدخل في مؤتمر الخريجين، ولا وردت في نظم الأحزاب التي تفرعت عنه، بل إن المؤتمر لم يفتح بابه للنساء كي ينخرطوا في العمل العام، رغم ان الخريجات قد كن كثر في تلك الحقبة، فكان الأحرى به، والأشرف له، أن يكون (مؤتمر الخريجين والخريجات).



المجلس الاستشاري لشمال السودان ١٩٤٤م
ومن الطبيعي والحال كهذه أن تهمل المرأة في أدبيات المؤتمر ونظمه وأهدافه إهمالا تاما وهو الشيء الذي ورثته الأحزاب التي تفرعت عنه، إلا أنها-وفي حقب قادمة- رأت أن تُدخل في باب المرأة، داخل نظمها، ما لا يُعرف بحضوره ولا يُفقد بغيابه. 


(كان أهل السودان ككل يعيشون في وضع سيء للغاية، فالجهل والمرض متفشيان. والخريجون يعملون في أنديتهم، مفصولين بتعاليهم عن الشعب! أول مظهر لذلك التعالي كان في مفتتح عمله السياسي، إذ أنه عندما بدأ عمله السياسي لم يتوجه للشعب بخطاباته!! بل توجه بها للمستعمر!!).
هذا هو الوضع الذي عاشت فيه "الأم، والأخت، والبنت، والزوجة". فكل جاهل مغبون، كان له بالمنزل (إمرأة) "يَفِشُّ" بها، وفيها، غبينته. ويتعالى عليها بجهله. هذا هو السبب الأساس الذي جعل رواد الحركة الوطنية بمؤتمر الخريجين يستعلون على المرأة الخريجة في ذلك الوقت!! 
في الأعلى زورى سركسيان، وفي الأدنى خالدة زاهر أول طبيبتان سودانيتان
بالطبع فإن أصحاب القضايا هم أولى بها من غيرهم، ولهذا فإن الجمعيات النسوية قد أخذت شكلا استقلاليا عن المؤتمر وقامت أول رابطة نسوية في العام1947م بمسمى "رابطة الفتيات المثقفات"، ولاقت نجاحا كبيرا. ولكن وبمجرد أن واتت النساء فكرة "النادي النسائي" نفد عندها صبر الرجال، وتوقف النادي (نتيجة للضغوط التي واجهته من ازواج العضوات)2. 






حزبان إثنان فقط أهتما بالمرأة في أدبياتهما، وكانا رائدين في هذا المجال منذ نشأتهما بصورة لا تنكر. أولهما هو الحزب الجمهوري الذي أسسه الباشمهندس -في ذلك الوقت- الأستاذ- فيما بعد- محمود محمد طه ورفاقه. لقد أشرنا للحزب الجمهوري عندما تحدثنا سابقا عن القلة التي رأت أن يستقل السودان عن مصر وبريطانيا، ومن إسم الحزب يتضح تماما الخط الذي اختاره لنفسه في فترة النضال الوطني، فقد رأى قادة الحزب أن تقوم في السودان جمهورية ديموقراطية مستقلة، ولكن ما يهم موضوعنا هذا أن الحزب ومنذ نشأته في العام1945م وفي أكتوبر، أخرج كتيبا بعنوان "السفر الأول" هو بمثابة وثيقة توضيحية تشمل أفكار الحزب وأهدافه ونظامه الأساسي"الدستور"، ولقد أفرد الحزب الجمهوري للمرأة بابا في تلك الوثيقة على صغر حجمها ولقد كان واضحا أن ذلك الباب الذي أفرده ليس كل ما يقال، وأن المستقبل سيشهد التفصيل اللازم.3 ولقد فعل من خلال الكتيبات التجديدية التي ناقشت وضع المرأة في القانون المدني والجنائي. 


اما الحزب الثاني فهو "الحزب الشيوعي السوداني"4 ولقد كان واضحا أن الحزب الشيوعي أيضا من القلة التي أشرنا اليها، لقد شب الشيوعيون السودانيون معارضين للإتحاد مع مصر أو التحالف مع بريطانيا، وكان رأيهم واضحا في مسألة الإستقلال التام بعد فترة إنتقالية (خمس سنوات) يكون فيها السودان في الوصاية الدولية وبعدها ينال إستقلاله التام.5
 ومع هذا التميز في الموقف السياسي أولى الحزب الشيوعي المرأة إهتماما كبيرا في دستوره وأدبياته، ولقد توج هذا الإهتمام بإيصال أول إمرأة سودانية الى البرلمان فكانت الأستاذة (فاطمة أحمد إبراهيم)، وأخرج الحزب الشيوعي نماذجا عديدة لنساء سياسيات مرموقات قُدن حركة المرأة في داخل السودان وفي افريقيا والعالم العربي. 
الأستاذة فاطمة أحمد ابراهيم أول نائبة برلمانية سودانية

كان من الطبيعي أن تنمو قضية المرأة في أحضان الأحزاب اليسارية السودانية. لأن الأحزاب اليمينية كانت-ولا زال بعضها- مُعوَّقة بالفهم السلفي للدين، فكان وضع المرأة فيها "تموضعا" لمصلحة الحزب. ولهذا فإن المرأة السودانية عموما لم تجد في حركتها الإجتماعية داعما لها من الأحزاب اليمينية، خصوصا في الميادين التشريعية والقانونية. ولعل أكبر عقبات المرأة في الحقل العام هي الفهم الديني السلفي. فبه شرعت قوانين الأحوال الشخصية بالسودان منذ العهد الإنجليزي الإستعماري وعلى منواله سارت الحكومات الوطنية. وبطبيعة الحال فإن تلك العقبة لم تعترض النساء فقط بل كان لمجاميع كبيرة من الرجال حظا وافرا من القمع والظلم. وليس ببعيد من الأذهان حادثة "حل الحزب الشيوعي إبان الديموقراطية الثانية". ولكن تظل المرأة، وبظلمها التاريخي في كل بقاع الدنيا، أكبر متضرر من تلك القوانين، فهي إن صادرت حقوقا سياسية وقانونية للرجال، إلا أنها صادرت كل حقوق النساء حتى حق الحياة نفسها.
من الواضح أن كل القوانين المستمدة من الفهم السلفي للدين قد ميزت بين المرأة والرجل لصالح الرجل. وأوقعت على المرأة واجبات كثيرة لا تتكافأ مع حقوقها القليلة في إطار العقد الإجتماعي. هذا الفهم نفسه قد صاحب الأحزاب اليمينية فترة من التاريخ. ولا زال يصاحب بعضها حتى الآن. في هذا الإطار لابد من الإشارة الى أن بعض الأحزاب اليمينية"مثل حزب الأمة" قد شهدت تطورا ملحوظا في وضع المرأة (العضوة) داخل هياكلها التنظيمية، وفي وضع المرأة (الجمهور) في طرحها الفكري الحديث. لكن، ومع هذا، تظل قضية الأحوال الشخصية من القضايا الطارقة على باب التجديد داخل كل الأحزاب اليمينية السودانية.
رغم أن دولاً إسلامية كثيرة لا تعترف بأهلية المرأة في تولي القضاء، أو المناصب الكبرى بالبلاد، إلا أن السودان، ومنذ فترة طويلة، شهد تطورا ملحوظا في هذه القضية. إذ أن المرأة السودانية، ومنذ الستينات من القرن الماضي، تقلدت القضاء، بل وفي العام 1976م تمكنت مولانا احسان محمد فخري من الوصول لدرجة (قاضي محكمة إستئناف).

كما أن المرأة السودانية وكما أسلفنا قد دخلت الى البرلمان السوداني في الستينيات أيضا.
كان من الواضح أن الأمر لو سار بهذه الوتيرة لكانت المرأة السودانية الآن في أفضل أحوالها السياسية والإجتماعية، ولكن، وللأسف فإن العكس هو الذي يصح الآن من وجهة نظرنا. من ناحية فإن المرأة تعد أكثر تمثيلا في المعاهد والجامعات والمدارس الحكومية، وفي حقل العمل المهني والمدني وفي وظائف بعينها فإن المرأة تشغل أكبر مساحة في الخارطة. ذلك أمر جيد. ولكنه أيضا قد ساهم في إزدياد أعباء المرأة إذ أنها الآن، وبهذه الطريقة، عائلة لنفسها ولأسرتها، ثم أنها لا تجد أيضا حقا متساويا مع الرجل.
إن إزدياد التيار السلفي الإسلامي يعد من أخطر القضايا التي تواجه المرأة إذ أنها الضحية الأولى في المجتمع لذلك الفكر. إن الرجل –ذلك العدو التقليدي- لا يساوي شيئا أمام هذه القضية لا لأنه سيصبح ضحية مثلها وحسب. بل لأن المرأة نفسها قد تصبح بالفكر السلفي عدوة لنفسها، ولجنسها. 


إستغلال المرأة من قبل الجماعات والأحزاب الدينية ظاهرة معروفة، وقضية كثر تناولها في الحقلين السياسي والإجتماعي. ليس من المفروض أن يكشف زيف الإدعاءات، وتوضيح الحقائق فقط! هذا ما سيتم وما تم بالفعل، ولكن الأهم هو تقديم النماذج البديلة بصورة مقنعة، وإستمرار عملية التوعية عن طريق المقارنات المنطقية والنتائج المحتملة. لأن كثير من الجماعات والأحزاب –بل وحتى الأفراد، تتغير أشكالهم وأجسامهم ورسومهم بصورة تتماهى مع التجديد لدى النظرة العجلى، ولكنها، وعند تدقيق النظر اسوأ من الشكل السابق بما لا يقاس! هكذا علمنا التاريخ. لهذا فإنه ما من دستور، أو قانون، يأتي دون حركة إجتماعية فكرية تناقش هذه القضايا وتجد لها الحلول اللازمة، سيوفر حقوقاً للأفراد والقطاعات مهضومة الحقوق.
الآن، وفي السودان، يوجد دستور، (إن كان منحة أو هبة أو حقاً) إلا أنه يتيح في مواده حقوقا تكاد أن تكون مثالية للرجل وللمرأة على حد سواء. لا يقع فيه تمييز على اساس الدين أو النوع، وتقوم الحقوق والواجبات فيه على أساس المواطنة. ورغم هذا فإن الرجال والنساء لا زال يقع عليهم عبء الظلم والقهر المقنن لهما داخل القانون العام. و لا ينكر "ناكر" أن المرأة هي المتضرر الأول من تلك القوانين الجائرة التي يمتلئ بها قانوننا الجنائي وتعارض الدستور بندا بندا.

يبدو أن الجميع لا يحفل بالأمر!! فعندما تهان المرأة في الأماكن العامة، لا ينتظر أن تعطى حقوقا سياسية أيضا! هذا أمر واضح وجلي ولكن لا يبدو أن هذه المفارقة تستحوذ على أذهان القادة السياسيين، أو أنهم يوافقون عليها لأنها من صميم تفكيرهم الذكوري.
بالطبع فإن هذه المقالة تتحدث عن التغيير، عن المستقبل القادم حيث يمكن للمرأة وللرجل أن يكونا أسرة واحدة تقوم على التكافؤ، والعدل، والمحبة، والمساواة. وهي ترى أن الرجل والمرأة عنصران مهمان لهذه المعادلة، أكثر من هذا فإن هناك من الرجال من وقف مع المرأة ضد "توضيعها"، وهناك من النساء من وقفن ضد "وضعهن" الطبيعي في المجتمع- مع هذا فإن العقلية الذكورية، في أغلب أحايينها وقفت عائقا أمام تطور المرأة، وتطور الرجل. فليس من سبيل للنهضة البشرية دون إشراك المرأة كعضو فاعل في العمل السياسي والإجتماعي، ومساعدتها للخروج من سجنها التاريخي حتى تجلس على عرشها المستحق.
 

قصي مجدي سليم 

(نقلاً عن "باكر" إصدارة مركز سالمة-الخرطوم- عدد مارس2010) 

المصادر والمراجع ولمزيد من التوسع 
1-د.فيصل عبدالرحمن علي طه-الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان-مركز ع كريم مرغني-ط2 2004م 
2-(الباحثة: منى أحمد ابراهيم، صحيفة الصحافة،العدد رقم 5297/18-3-2008) 
3- محمود محمد طه- السفر الأول1945-ط3 
4-د. محمد سعيد القدال-تاريخ السودان الحديث1820/1855-مركز ع كريم مرغني-ط1 2002 
5- د. فيصل عبدالرحمن علي طه- م س


التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية