الأحد، 14 أكتوبر 2012

مسلسل عمر: نقد وتحليل ٢



    السيناريو

    -------

    يعرِّف(سِد فيلد) في سفره القيم "السيناريو" بأنه قصة تروى بالصور. ويزيد تمثيلا للسيناريو بأنه (مثل الاسم في علم النحو) يطلق على الشخوص في أمكنة محددة تؤدي دورا، فالصورة المتحركة هي وسط مرئي ينقل على نحو درامي الاحداث الرئيسية للقصة.
    وبغض النظر عن طول العمل الدرامي او قصره، ورغما عن اختلاف النظريات الدرامية حول هذا الموضوع (أنظر كتابة سيناريو الافلم القصيرة: بات كوبر، كين دانسايجر) الا ان هناك محددات مهمة لملامح العمل الدرامي (السيناريو) او القصة التي تسردها احداث العمل الدرامي، وأولى تلك المحددات هي "الفكرة" بالطبع.. فأي عمل درامي يحتاج لفكرة بسيطة ينطلق منها المؤلف كأن يريد القول (الحق يعلو ولا يعلى عليه) ثم يبدأ في تطوير فكرته من خلال الأحداث التي تروى فتظهر معالم القصة، وكشأن أي عمل درامي لابد للقصة من شخوص تخدمها وتساعد في إظهارها ترتبط بالفكرة الأم.. هذا يمكن للكاتب العبقري ان يشد انتباه المشاهدين اليه اذا احسن المخرج في اظهار تلك القصة.. ويمكن للمخرج الرديء ان يحول السيناريو الجيد الى عمل درامي رديء.

    ما يعاب على مسلسل عمر أن الشخوص هي التي تصنع الأحداث لا العكس.. أي أن العمل الدرامي يُطوّع لمصلحة ابراز الشخصية، بحيث لا تظهر أي أهمية للحدث الدرامي الا أنه أراد من وراء ذلك ابراز شخصية جديدة على المشاهد..
    وهذا خطأ موروث من الدراما العربية ككل خصوصا ما عرض في رمضان هذا فذات الخطأ يظهر وبصورة كبيرة (اكثر من مسلسل عمر) في الحلقة الثانية من مسلسل (فرقة ناجي عطا الله) حيث أخذ السيناريو منحى الحكي بطريقة مملة تتضح فيها كل شخصية من الفرقة بتطويل ممل لا يخدم الحدث الرئيسي في شيء!!
    وكما هو معروف فإن الصفحة الواحدة من السيناريو تعادل دقيقة كاملة من عمر العمل الدرامي المصور. فاذا نظرنا الى اي عمل درامي وحسبنا بساعتنا اربعة دقائق كالتي انفقها الحجاج في الشطر الأول من الحلقة الاولى لمسلسل عمر عرفنا أن كتابة السيناريو استغرقت اربعة صفحات في فعل ممل لا جدوى من تكراره، أو أن المخرج قد فعل من عنده!
    واذا نظرنا لأول حوار لعمر مع والده لوجدنا الحكي يبرز دون مبرر (ليس الخطاب فلان سيد بني فلان ولا فلان سيد بني فلان ولسنا في قريش الا كذا وكذا واذا نظرت لقريش لعلمت ان كذا هم كذا الخ..) كلام لا يستقيم في ذهن المشاهد ان الخطاب يقوله لعمر وهو الكبير في سنه (السنة السابعة قبل البعثة) اي ان عمره -يزيد او ينقص قليلا عن (26سنة) وهو الراعي للأبل منذ نشأته والعارف بأبيه منذ زمن وبقبيلته وأهله فقد امتاز عمر بالقراءة والكتابة عن اقرانه من قريش.
    لقد انفق الحدث (ثلاثة صفحات) من السيناريو ليوضح بطريقة غير مسلية ولا مفيدة غايتان: اولاهما تشوق عمر للإتجار وهو ما سيعينه عليه اخوه زيد في الحدث المقبل، وغلظة وشظف حياته مع والده. الا ان السيناريو لم يوفق في ايصال هذه الفكرة بلغة درامية فقصاها على لسان شخوصها (وهذا ما تناولناه نقدا في أمر الدراما ككل من كتابتنا اعلاه).
    هذا مثال واحد اردنا ان نبين به العيب في سيناريو المسسل خاصة والدراما العربية ككل وعلى القارئ الذي يوافقنا في هذا أن يطبقه على اي عمل درامي آخر ليعلم مدى نجاحه من فشله عربيا كان او اجنبيا.
    ومثل هذا العيب يتكرر في كثير من مشاهد العمل ولكنا لا نحمله ما لا يحتمل من القواعد الدرامية الصارمة التي تتبع في الاعمال العالمية ونرى جيدا أنها محاولة جيدة في تاريخ الدراما العربية.
    ما هو يحسب لسيناريو العمل دقيقته الخامسة والتي بدأ فيها عمر خطبته، ثم رحيله نحو يثرب وتذكره لحالة صباه ثم العودة (فلاش باك) الى الماضي بطريقة جيدة وسلسة.. ثم ابراز عمر قبل اسلامه كفتى شجاع أولا، وكريم في ذات الوقت.
    لقد فطن كاتب العمل الدرامي إلى أنه يكتب قصة (معروفة) لجل مشاهديه العرب فنحى لتوضيح دقائقها التي تفوت حتى على المهتمين بهذا الحقل وعمد الى الفكر المحض فجعل السيناريو يتقدم نحو الاسلام بدقة متناهية وبتسلسل بديع -الا ما ذكرنا من عيوب- فكان ابراز كل صحابي مما ذكر بأجمل ما فيه قبل اسلامه او اسوأ مافيه ايضا، ولشد ما أعجبني تشخيص بلال وعمرو بن العاص و ابي حذيفة ومولاه سالم وعمار بن ياسر ولقد اعجبت جدا بتشخيص عبدالله بن مسعود وحمزة. ولم يرق لي تشخيص علي بن ابي طالب فقد كان باهتا وكأن هناك تخوف من ابرازه، ما عدا الشبه في الشخصية الذي يقارب الوصف او الرسومات الشيعية الجميلة لشخصية علي والحسين رضي الله عنهما وهذا ما يحسب للاخراج من حسنات الا ان الكتابة له رضي الله عنه قد كانت ضعيفة. كما أن المرء ليتسائل طوال عمر الحلقات السابقة  أين خديجة وفاطمة وعائشة؟ ام تراهن قد دخلن في دائرة المقدس أكثر من (أبي بكر الصديق) في حالة السنة أو (علي والحسن والحسين) في دائرة الشيعة! أمر قد أبهم علي فهمه دراميا وتاريخيا ومذهبيا. ويمكن أن يقال بصورة محتملة وراجحة أنه مسلسل ذكوري من طراز فريد! لولا شخصيات نسائية قليلة -لا ننكر فضلها- ولكنها ليست أحق بالظهور ممن قلنا.

        

    من الأخطاء الدينية المتصلة بما قلنا ما سمعناه من قول بأن منتجي العمل قد أبرموا عقدا مع وجه جديد لكي يمثل دور عمر(الفنان المبدع: سامر اسماعيل) ثم أنهم لم ينفضوا عنه حتى كتبوا فيه عدم عمله بالتمثيل لمدة من الزمن! هذا أمر عجيب جدا! فإن جاز تبريره بما لشخصية عمر ، وأنها تمثل لأول مرة! فليس عمر بأفضل عند الله ورسوله والمؤمنين من أبي بكر الصديق فلماذا لم تنتهج ذات الخطة في تمثيل أبي بكر مع الفنان المبدع غسان مسعود! ولماذا لم تراعى ذات الخطة في تمثيل علي بن أبي طالب مراعاة لشعور الشيعة أيضا!
    عموما هو فعل لا معنى له لا دينيا ولا دراميا، ووقوف الممثل عن التمثيل يعني ضياع موهبته فالممثل كلاعب الكرة تماما يحتاج إلى تمرين مستمر وإلى عروض مستمرة يثبت فيها نفسه ومقدرته، ولا يكون جزاء الإحسان إلا إحسانا، لا وبالا وسوء تقدير.


    والى عودة ان شاء الله

    قصي مجدي سليم

التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية