الأحد، 14 أكتوبر 2012

مسلسل عمر: نقد وتحليل ٣

بيانات التكفير والتحريم والتجريم

    في البدء أحب أن أنقل للقارئ كامل بيان رابطة (علماء المسلمين) حتى يستقيم أمر نقدنا للمشاهدة وكيفيتها، فإلى بيان الرابطة:

بيان في حكم تمثيل الصحابة كما في مسلسل الفاروق وغيره
الكاتب: إدارة الموقع
الإثنين, 09 تموز/يوليو 2012 10:53بسم الله الرحمن الرحيم بيان في حكم تمثيل الصحابة كما في مسلسل الفاروق وغيره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين أما بعد: فإن للصحابة عند أهل السنة مكانة عالية، ومن نظر في سيرتهم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله، يجب الاحتياط لجنابهم , والذب عن مقامهم, قوم وصف الله تعالى لامزهم بالنفاق، وجعل المستهزئ بهم على خطر عظيم، كما قال: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) الآية79 سورة التوبة ، وحين قال بعض المنافقين في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء, أنزل الله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الآية65 ,66سورة التوبة .وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (ذهبت أحكي امرأة ورجلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا "أعظمَ ذلك") رواه أحمد رقم/25008والْمُحَاكَاةُ فِي القَوْلِ أَوِ الفِعْلِ " : الْمُمَاثَلَةُ ، الْمُشَابَهَةُ ، التَّقْلِيدُ . وإن رابطة علماء المسلمين وانطلاقا من الواجب الملقى على علماء هذه الأمة وبعد سماعها عن عزم بعض المؤسسات الإعلامية إخراج مسلسل تمثيلي عن فاروق هذه الأمة والمحدث الملهم , الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب رضي الله عنه ), وغيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, لتؤكد على ما يلي :أولا : أن التمثيل وإن كان غرضه الإشادة يعتريه شيء من الإزراء بالمُمَثَّل في بعض الأحوال، فكيف إذا كان المنتحل لشخصه دنيَّ المنزلة عند مقارنته به، بل قد يكون فاسقاً أو كافراً، فكيف إذا اجتمع معه تمثيل نساء الصحابة، وإبرازهن سافرات وبكامل زينتهن، أفيرضى أحدنا هذا لنسائه؟ فكيف إذا اقتضى ذلك محرماً من جنس اختلاط نساء أجنبيات برجال أجانب يدّعون أنهم صحابة! أوَ يتقرب مسلم بمثل هذا المنكر إلى ربه! (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)!ثانيا :ما يعتري انتحال شخص أحدهم –رضوان الله تعالى عليهم- بالتمثيل من محذورات شرعية أخرى , بيَّنها أهل العلم في بياناتهم و مؤتمراتهم وفتاواهم، ولما يفتحه تسويغ تمثيلهم حتى بالضوابط التي وضعوها من تمثيلٍ لأنبياء ورسله, إذ أدلة المجوِّزين واحدة.لهذا وغيره ذهب عامة العلماء المجتهدين إلى تحريم تمثيلهم، واتفقت على ذلك كلمة المجامع والهيئات العلمية المعتبرة منذ ظهر أمر تمثيل الصحابة في القرن الماضي، من ذلك : ما قررته هيئة كبار العلماء بالمملكة السعودية من منع تمثيل الصحابة رضي الله عنهم: والنبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى وذلك بقرارها رقم 13 وتاريخ 16 / 4 / 1393.
- و أكد في البيان الختامي لمؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الرابع عشر المنعقد عام 1431 ما أصدره المجمع قديما من تحريم تمثيل الصحابة. وذلك عام 1974م.
- و قرار المنظمات العالمية في مكة عام 1390هـ - و قرار هيئة كبار العلماء رقم 107 بتاريخ 3/11/1403هـ - فتوى اللجنة الدائمة رقم 4723 وغيرها.
- و قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته العشرين عام 1432 المؤكد على تحريم تمثيل الصحابة المحرر في قرار المجمع بدورته الثامنة عام 1405 وغيرها.ثالثا: ندعو العلماء الذين أفتوا بجواز ذلك واستند إلى فتواهم من قام بهذا العمل, إلى أن يراجعوا ما افتوا فيه فالحق قديم والرجوع إلى الحق مزية وشرف وتقوى .رابعا: ندعو كل من تبنى هذا المسلسل أو ساهم فيه بأي وسيلة كانت , أو عزم على نشره في القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام أن يتقوا الله ويعرضوا عن دعمه ونشره , قال الله تعالى :(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).خامسا: وبناء على ما سبق بيانه فإننا ندعو عموم المسلمين لإنكار هذا العمل كل بحسبه،والبعد عن مشاهدته التزاما بقوله سبحانه(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم)نسأل الله أن يجنب المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. العلماء الموقعون على البيان :
أكثر من أربعين عالما يمثلون مختلف دول العالم العربي والاسلاميالمرجع : الموقع الرسمي لرابطة علماء المسلمين
----------------------------------------------------------------------- 
تمثال لـ أرسطو
قناعي المسرح: أحدهم يرمز للكوميديا والثاني للتراجيديا

    لاحظ أن البيان وفي بابه الذي خصصه لفضل الصحابة ومكانتهم عند الله قد أقحم في ذات الفقرة حديثا عن السيدة عائشة ومحاكاتها لشخص ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك! ثم ينتقل البيان بعدها مباشرة الى باب آخر وهو :
    (أن التمثيل وإن كان غرضه الإشادة يعتريه شيء من الإزراء بالمُمَثَّل في بعض الأحوال،)
    وأي شخص عاقل يقرأ حديث أمنا عائشة الذي اوردته الرابطة وتخريجات الآخيرة وشروحها للمحاكاة ثم اسقاط ذلك مباشرة على مسلسل عمر- اقول- اي شخص عاقل ومميز يعلم أن الرابطة تريد ان تقول امرا أكبر من مسلسل عمر، ولكنها حاولت ان تقفل باب مناقشته حتى لا تشوش على موضوعها الأساس (مسلسل عمر وتمثيل الصحابة)!! ان الرابطة تريد ان تقول أن المحاكاة في اصلها حرام!! أي ان التمثيل والاعمال الدرامية هي ايضا حرام!
    ولكني كنت أظن أن للرابطة من الأسانيد ما هو أكثر متانة وحجية بدلا عن حديث يتحدث عن فضل ترك المحاكاة ولا يحرمها! او كما قال صلى الله عليه وسلم (ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا "أعظمَ ذلك")!!

    ولكن للأسف فإن الرابطة لم تخطئ في فهم الحديث فقط بل هي اخطأت في فهم الدراما نفسها ولن ننخدع بقولها المتملق (ان التمثيل و إن كان غرضه الارشاد الخ) فليس غرض التمثيل الارشاد ولا هذه وظيفته الدرامية، وليس المحاكاة الدرامية هي المحاكاة التي ذهب بيان الرابطة الى شرحها اللغوي حين قال: والْمُحَاكَاةُ فِي القَوْلِ أَوِ الفِعْلِ " : الْمُمَاثَلَةُ ، الْمُشَابَهَةُ ، التَّقْلِيدُ .
    وليس الفعل الدرامي كالفعل اللغوي! كلها أمور جانب الرابطة وبيانها الصواب في فهمها لأنهم أناس أفنوا أعمارهم في دراسة ما لا يضر ولا ينفع، ولو عمل أحدهم بعشر معشار ما درسه لفتح الله عليه من كل علوم الدنيا ولكنهم كما قال عنهم ربهم (أم على قلوب اقفالها).
    ولا بأس من اعادة ما قلناه في حلقتنا الأولى عن معنى الدراما والزيادة في شرحها وليس في الأمر مسلاة لي ولا لكم.
    قلنا ان الدراما في التعريف الارسطي لها هي ((محاكاة لفعل نبيل، تام، له عِظَم، في كلام ممتع.، بواسطة أشخاص ، لا حكاية))

    و المحاكاة الدرامية ليست هي (المحاكاة) اللغوية التي ذهب لها بيان الرابطة، لأن الفعل المراد محاكاته هنا ليس بفعل (النحو) وفاعله ليس مرفوع بالضم ! وإن كان القصد من المحاكاة اللغوية هي السخرية من المحاكى فإن القصد من المحاكاة الدرامية هو ايصال رسالة فكرية بقالب جمالي وشتان بين الأمرين!!
     وإن كان الممثل "اللغوي" يرمي الى الاستهزاء والضحك، فإن الممثل الدرامي (كومدي او تراجيدي) يرمي لايصال تلك الرسالة عن طريق الفعل المحزن او المضحك!

    من هنا نستشف خطل رأي الرابطة واستدلالها المعيب بحديث لا يمت للدراما بصلة ولا هو يتحدث عنها وليس العرب -على اي حال- بأهل تلك الصنعة فهي صنعة قد وفدت اليهم وعرفوها بعد دهر من فتوحاتهم أو شاهدوها في رحلاتهم الى بلاد الروم. ولكنهم كانوا اصحاب فن آخر وهو (الشعر) فصنعوا به معجزتهم الخالدة.
    وجاء في بيان الرابطة:
    Quote: فكيف إذا كان المنتحل لشخصه دنيَّ المنزلة عند مقارنته به، بل قد يكون فاسقاً أو كافراً
    وهناك حق وحيد في بيان الرابطة يمكن اخراجه من ركام باطلها الكثير وهو أن الممثل لدور ما يجب أن يكون ملتزما بدوره عن طريق معايشة الشخصية وحياتها الدرامية حتى يستطيع ان يؤدي دوره بصدق.. ويقال ان (انتوني كوين) "رحمه الله" قد سبق فريق العمل الى ليبيا في فلم (اسد الصحراء) وجلس في البادية شهورا عدة ثم انه قد كان يلبس ذات ملابس التصوير في حياته اليومية وتعلم الوضوء الصحيح والصلاة الصحيحة حتى حين بدأ التمثيل يخيل للمرء ان (عمر المختار) لن يكون غير ذاك الرجل (انتوني)!
    أما أيهما أفضل عند الله فتلك نتركها له سبحانه وتعالى وحسب الرجلان أنهما قد أخلصا في عملهما وكل ميسر لما خلق له.
    وما قضية أفضلية الصحابة عن سائر البشر (ما خلا الانبياء) الا جهالة اخرى بغرض الدراما والتمثيل.. ولقد شرحنا في حلقتنا الأولى ذلك ولا بأس من الاعادة مرة أخرى فنقول في البدء أن تقديس المسيحي للمسيح يفوق تقديس المسلم لمحمد صلى الله عليهما وسلم ولكن المسيحي الأوروبي قد كان يعلم ان الدراما والتمثيل ليس محاكاة لغوية ولم ير احدا من القساوسة والرهبان أن مسرحيات وأفلام المسيح والقديسين تحط من قدرهم (في زمن كانوا يقتلون الناس بتهمة الهرطقة-كما يفعل علماء الاسلام الآن)!! إلا اذا اختلف احدهم مع الفكرة الدرامية ككل أو فكرة مسرحية بعينها او فلم بعينه كرأي افلاطون مثلا! فإما ان تقول الرابطة به فنناقشها فيه-ان كانت تعلم ماذا قال اصلا- أو تصمت حتى لو تم تمثيل كل الانبياء والرسل والملائكة.
    اما بقية البيان عن الاختلاط وسفور النساء فنحن لا نعرف هل الاختلاط محرم قطعا عند الرابطة ام بمحاذير ام دراميا فقط؟ ولا نعرف هل السفور محرم قطعا ام مثل ما قلنا؟ ولا ندري اي اجماع هذا (لمجامع المسلمين بزعمهم) قد حرم تمثيل الصحابة والانبياء فكلها مجمعات جهلة لا يفقهون أمور دينهم ولا أمور دنياهم ولا نريد الخوض في تفاصيل ذلك الآن.
    وكلمتنا الآخيرة، في أمر الاسلام والفنون، هي ان الفنون حلال.. كلها بلا فرز او شرط.. وليس هنالك نص ديني قد حرم فنا من الفنون لا الرسم ولا التلوين ولا التمثيل ولا الغناء أو الموسيقى أو النحت أو العمارة كلها اذا مورست لاجل الفن واغراضه لا لأجل الحرام في ذاته كأن ينحت احدهم صخرا ليعبده فهو محرم عليه كمسلم واما غيره فأمره لربه.

    كيفية المشاهدة وماهيتها:

    ان العرض الدرامي لا يقوم الا بثلاثة (الرسالة، والقناة، والمرسل اليه) والأولى تشمل (الكاتب والمخرج وفريق العمل) والثانية تشمل (المسرح والاذاعة والتلفزيون وغيرهم من وسائط) أما الثالثة فهي (الجمهور وحده لا شريك له). وعلى فريق العرض أن يتخير الوسيلة (القناة) المناسبة لعرضه، فلا يستقيم للدراما المشاهدة ان تعرض على الاذاعة مثلا، وأن يختار جمهوره فلا يصح عرض عمل فلسفي دقيق على جمهور من طلبة المدارس الابتدائية أو من شابههم.
    والعمل الدرامي يكتسب جودته من جمهوره الواعي فالنقد سواء من المتخصصين او غيرهم من الجمهور الواعي هو ما يجبر فريق العمل على تقديم أفضل ما عندهم (نصا واخراجا وتمثيلا) وأعتقد أن العاملين في الحقل الفني بوطننا العربي(المجازي) قد استمرأوا فكرة جمهورهم غير النقدي (ولم أقل غير الواعي تورعا) فأخذوا يخرجون لنا من الأعمال الدرامية ما يزيد سذاجة في كل حين.
    فأبسط درجات النقد التي يمكن أن تقدم لمسلسلاتنا العربية هي عدم التزامها بخط فكري محدد.. فلا تفهم(في حالة الاعمال التاريخية) لماذا يتم تغييب الشخصيات المحورية في التاريخ، هل لمصلحة فكرة درامية! أم لمصلحة غير ذلك؟ أم خوفا ودرءا للفتنة المتوهمة؟
    ولقد سمعت وقرأت كثيرا من المشاهدين والمهتمين يتحدثون عن (مسلسل عمر) فما تطرقوا لهفوات مهمة في بنية النص الدرامي ولا في اخراجه (كالصحابي الذي يظهر في خطبة الوداع وهو حليق الشعر بطريقة حديثة). أو كغياب شخصيات محورية وظهور غيرها! فأين هي  ولماذا غابت حين ظهر أناس لا أهمية لهم في البناء الدرامي! ولماذا لم يلحظ المشاهد (العارف بالتاريخ غيابهم).
    ولقد اعجبني ملاحظة البعض وقولهم عن حق : إن المسلسل ذكوري. قد غاب عنه نسوة اسهموا في صنع تاريخه الافتراضي.
    ولكن النقد عموما من المشاهدين لم يتعد في مجمله الأمور الاعتقادية أو التاريخ واخطائه أو العمليات الفنية كالتمثيل والاخراج والسيناريو! أقول ان النقد لم يتعد تلك الأشياء الى بنية العمل الدرامية، ولا الى فكرته الفنية!فأكثر اخطاء العمل هو ابهام السبب منه! ولماذا (عمر)؟ ثم ما هي الفكرة الأساسية التي يريد العمل ايصالها! ثم ما هي الاسباب التي أدت لتطور الأحداث بالطريقة التي جرت بها!
    أظن أن التطويل في العمل الدرامي قد دفع الكاتب الى تغريب فكرته بدلا من أن يكون مادة لابرازها وتعريتها للمشاهد فيتلقفها بسهولة ويسر.. فلو استقبل الكاتب من أمره ما استدبر لكان خير له أن يجعل العمل مزيجا من خلافة عمر وتاريخه بذات الصورة التي بدأ بها عمله ثم أخذت في الاخراج شكل عمر (وهو كبير في سنه) ينظر الى الاحداث من خلفه! كان من الأفضل أن يسير العمل بخلافة عمر وفي كل حدث يتم ابراز اسقاطاته الفكرية من التاريخ هذا ان كانت فكرته كذلك.
    عموما فإن أكثر ما أعجبني في المشاهد أنه لم يأبه لرأي أي رابطة آو هيئة أو فتوى ولقد قالت لي خالتي في اتصال تلفوني بأن جدتي لا تنفك عن متابعة مسلسل عمر. وهذا لوحده انتصار كبير للدراما على الهوس الديني وعلى التكفيريين الذين افسدوا علينا الدنيا والدين.

    قصي مجدي سليم

التسميات:

مسلسل عمر: نقد وتحليل ٢



    السيناريو

    -------

    يعرِّف(سِد فيلد) في سفره القيم "السيناريو" بأنه قصة تروى بالصور. ويزيد تمثيلا للسيناريو بأنه (مثل الاسم في علم النحو) يطلق على الشخوص في أمكنة محددة تؤدي دورا، فالصورة المتحركة هي وسط مرئي ينقل على نحو درامي الاحداث الرئيسية للقصة.
    وبغض النظر عن طول العمل الدرامي او قصره، ورغما عن اختلاف النظريات الدرامية حول هذا الموضوع (أنظر كتابة سيناريو الافلم القصيرة: بات كوبر، كين دانسايجر) الا ان هناك محددات مهمة لملامح العمل الدرامي (السيناريو) او القصة التي تسردها احداث العمل الدرامي، وأولى تلك المحددات هي "الفكرة" بالطبع.. فأي عمل درامي يحتاج لفكرة بسيطة ينطلق منها المؤلف كأن يريد القول (الحق يعلو ولا يعلى عليه) ثم يبدأ في تطوير فكرته من خلال الأحداث التي تروى فتظهر معالم القصة، وكشأن أي عمل درامي لابد للقصة من شخوص تخدمها وتساعد في إظهارها ترتبط بالفكرة الأم.. هذا يمكن للكاتب العبقري ان يشد انتباه المشاهدين اليه اذا احسن المخرج في اظهار تلك القصة.. ويمكن للمخرج الرديء ان يحول السيناريو الجيد الى عمل درامي رديء.

    ما يعاب على مسلسل عمر أن الشخوص هي التي تصنع الأحداث لا العكس.. أي أن العمل الدرامي يُطوّع لمصلحة ابراز الشخصية، بحيث لا تظهر أي أهمية للحدث الدرامي الا أنه أراد من وراء ذلك ابراز شخصية جديدة على المشاهد..
    وهذا خطأ موروث من الدراما العربية ككل خصوصا ما عرض في رمضان هذا فذات الخطأ يظهر وبصورة كبيرة (اكثر من مسلسل عمر) في الحلقة الثانية من مسلسل (فرقة ناجي عطا الله) حيث أخذ السيناريو منحى الحكي بطريقة مملة تتضح فيها كل شخصية من الفرقة بتطويل ممل لا يخدم الحدث الرئيسي في شيء!!
    وكما هو معروف فإن الصفحة الواحدة من السيناريو تعادل دقيقة كاملة من عمر العمل الدرامي المصور. فاذا نظرنا الى اي عمل درامي وحسبنا بساعتنا اربعة دقائق كالتي انفقها الحجاج في الشطر الأول من الحلقة الاولى لمسلسل عمر عرفنا أن كتابة السيناريو استغرقت اربعة صفحات في فعل ممل لا جدوى من تكراره، أو أن المخرج قد فعل من عنده!
    واذا نظرنا لأول حوار لعمر مع والده لوجدنا الحكي يبرز دون مبرر (ليس الخطاب فلان سيد بني فلان ولا فلان سيد بني فلان ولسنا في قريش الا كذا وكذا واذا نظرت لقريش لعلمت ان كذا هم كذا الخ..) كلام لا يستقيم في ذهن المشاهد ان الخطاب يقوله لعمر وهو الكبير في سنه (السنة السابعة قبل البعثة) اي ان عمره -يزيد او ينقص قليلا عن (26سنة) وهو الراعي للأبل منذ نشأته والعارف بأبيه منذ زمن وبقبيلته وأهله فقد امتاز عمر بالقراءة والكتابة عن اقرانه من قريش.
    لقد انفق الحدث (ثلاثة صفحات) من السيناريو ليوضح بطريقة غير مسلية ولا مفيدة غايتان: اولاهما تشوق عمر للإتجار وهو ما سيعينه عليه اخوه زيد في الحدث المقبل، وغلظة وشظف حياته مع والده. الا ان السيناريو لم يوفق في ايصال هذه الفكرة بلغة درامية فقصاها على لسان شخوصها (وهذا ما تناولناه نقدا في أمر الدراما ككل من كتابتنا اعلاه).
    هذا مثال واحد اردنا ان نبين به العيب في سيناريو المسسل خاصة والدراما العربية ككل وعلى القارئ الذي يوافقنا في هذا أن يطبقه على اي عمل درامي آخر ليعلم مدى نجاحه من فشله عربيا كان او اجنبيا.
    ومثل هذا العيب يتكرر في كثير من مشاهد العمل ولكنا لا نحمله ما لا يحتمل من القواعد الدرامية الصارمة التي تتبع في الاعمال العالمية ونرى جيدا أنها محاولة جيدة في تاريخ الدراما العربية.
    ما هو يحسب لسيناريو العمل دقيقته الخامسة والتي بدأ فيها عمر خطبته، ثم رحيله نحو يثرب وتذكره لحالة صباه ثم العودة (فلاش باك) الى الماضي بطريقة جيدة وسلسة.. ثم ابراز عمر قبل اسلامه كفتى شجاع أولا، وكريم في ذات الوقت.
    لقد فطن كاتب العمل الدرامي إلى أنه يكتب قصة (معروفة) لجل مشاهديه العرب فنحى لتوضيح دقائقها التي تفوت حتى على المهتمين بهذا الحقل وعمد الى الفكر المحض فجعل السيناريو يتقدم نحو الاسلام بدقة متناهية وبتسلسل بديع -الا ما ذكرنا من عيوب- فكان ابراز كل صحابي مما ذكر بأجمل ما فيه قبل اسلامه او اسوأ مافيه ايضا، ولشد ما أعجبني تشخيص بلال وعمرو بن العاص و ابي حذيفة ومولاه سالم وعمار بن ياسر ولقد اعجبت جدا بتشخيص عبدالله بن مسعود وحمزة. ولم يرق لي تشخيص علي بن ابي طالب فقد كان باهتا وكأن هناك تخوف من ابرازه، ما عدا الشبه في الشخصية الذي يقارب الوصف او الرسومات الشيعية الجميلة لشخصية علي والحسين رضي الله عنهما وهذا ما يحسب للاخراج من حسنات الا ان الكتابة له رضي الله عنه قد كانت ضعيفة. كما أن المرء ليتسائل طوال عمر الحلقات السابقة  أين خديجة وفاطمة وعائشة؟ ام تراهن قد دخلن في دائرة المقدس أكثر من (أبي بكر الصديق) في حالة السنة أو (علي والحسن والحسين) في دائرة الشيعة! أمر قد أبهم علي فهمه دراميا وتاريخيا ومذهبيا. ويمكن أن يقال بصورة محتملة وراجحة أنه مسلسل ذكوري من طراز فريد! لولا شخصيات نسائية قليلة -لا ننكر فضلها- ولكنها ليست أحق بالظهور ممن قلنا.

        

    من الأخطاء الدينية المتصلة بما قلنا ما سمعناه من قول بأن منتجي العمل قد أبرموا عقدا مع وجه جديد لكي يمثل دور عمر(الفنان المبدع: سامر اسماعيل) ثم أنهم لم ينفضوا عنه حتى كتبوا فيه عدم عمله بالتمثيل لمدة من الزمن! هذا أمر عجيب جدا! فإن جاز تبريره بما لشخصية عمر ، وأنها تمثل لأول مرة! فليس عمر بأفضل عند الله ورسوله والمؤمنين من أبي بكر الصديق فلماذا لم تنتهج ذات الخطة في تمثيل أبي بكر مع الفنان المبدع غسان مسعود! ولماذا لم تراعى ذات الخطة في تمثيل علي بن أبي طالب مراعاة لشعور الشيعة أيضا!
    عموما هو فعل لا معنى له لا دينيا ولا دراميا، ووقوف الممثل عن التمثيل يعني ضياع موهبته فالممثل كلاعب الكرة تماما يحتاج إلى تمرين مستمر وإلى عروض مستمرة يثبت فيها نفسه ومقدرته، ولا يكون جزاء الإحسان إلا إحسانا، لا وبالا وسوء تقدير.


    والى عودة ان شاء الله

    قصي مجدي سليم

التسميات:

مسلسل عمر: نقد وتحليل ١


    في البدء احب ان اشيد  بالجراءة المحمودة التي كسرت القدسية (الزائفة) التي قعدت عن تجسيد الشخصيات الاسلامية دراميا!! وهذا لجهل مزدوج بماهية الدراما أولا، وبحقيقة التقديس الذي لا يتعارض مع بشرية الرسل والانبياء والصالحين! والآخير هذا مدخل كبير للهوس الديني.
    والدراما في ابسط تعاريفها الأرسطية هي (
    محاكاة لفعل نبيل، تام، له عِظَم، في كلام ممتع.، بواسطة أشخاص ، لا حكاية)..
    ولهذا فإن الدراما الإغريقية لم تستنكف عن محاكاة الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال.. وكانت جل المسرحيات الاغريقية تدور حول فكرة (الصراع) كلازمة درامية.
    كما أن المثالين قد نحتوا وصوروا القديسين في العصور الوسطى وقد لعب المسرح الكنسي دورا مهما في انتشار المسيحية وتثبيتها في ظل الصراع الحضاري والانحطاط الفكري الذي عاشته اوروبا في عصور ظلامها. ولم يرى احد من الاوربيين الكنسيين ان تلك التصاوير والمسرحيات تحط من قدر القديسين والانبياء بل شجعوها وصرفوا عليها رغم شحهم.

    فما من احد يرى الممثل  يؤدي دورا، وظن ان ذاك المؤدي يمتلك ذات القدرات -التي فرضتها عليه شخصيته الدرامية- في أرض الواقع!!
    ورغم حالة انعدام الايمان التي صاحبت ظهور السنما في اوروبا واضمحلال دور الكنيسة كسلطة تشريعية و تنفيذية في بعض الاحيان الا ان من قاموا بتجسيد المسيح في أكثر الأحيان قد انطلقوا من ايمانهم بدوره وشخصيته، أكثر من هذا فإنهم قد جسدوه حسب التصور المسيحي (لا الاسلامي) لشخصية السيد المسيح كمخلص وكأقنوم ثان من ثلاث مع (الآب والروح القدس)! فهم حين يصورون المسيح دراميا يكنون له من التقديس ما لا يكنه مسلم لنبي (حتى محمد صلى الله عليه وسلم) ناهيك عن صحابي أو ولي! لأنهم ينطلقون من مبداء الدراما كمحاكاة وليس تماثل، ومحاكاة لفعل وليس تطبيق له ويعلمون ان جوهر الدراما يتطلب التشخيص الدرامي لا (الحكي) فهذا الآخير ضرب فني آخر كان يتقنه امثال همريوس من الشعراء والحكائين.

    و عليه فإن الثورة التي يمكن ان تندلع من جراء تشخيص الشخصيات الاسلامية من اعلاها (النبي محمد صلوات الله عليه) مرورا بخلفائه وصحابته ما هي الا معركة في غير معترك.. وهي تندلع من وراء الجهل بدور الدراما في توصيل الأفكار والفلسفات، وغايتها وطرقها ووسائلها.

    عليه فإن أول ما يعاب على مسلسل عمر بن الخطاب هو تكراره لذات الخطأ الفني بعدم تجسيد الرسول صلى الله عليه وسلم.. وإن نأى عن الحكي في أغلب المشاهد إلا أنه قد وقع فيه ايضا مما أفقد العمل الدرامي خاصية مهمة عبر عنها ارسطو : (بواسطة أشخاص ، لا حكاية). كان من الممكن -لتدارك هذه المعضلة- ان يبرز صوت النبي عليه الصلاة والسلام متحدثا كما فعل صناع مسلسل (الحسن والحسين) مع علي بن ابي طالب قبل جرأة صناع عمر على علي نفسه.

    ما يعجبني في مسلسل عمر أن تصوير الحياة البشرية فيه قد نأى عن الافراط الكلاسيكي -بالمفهوم الدرامي لا اللغوي- فليس هناك من تصنع في اللغة ولا في الحركات الدرامية.. اعجبتني ضربة حمزة لعمرو بن هشام (ابو الحكم او ابو جهل) واعجبتني ايمائته له وتهديده له بسبابته ولقد صدقت بحق ان هذا ما قد حدث فعلا.. وكنت في كثير من الأمور أراجع السيرة النبوية في ذهني وأقارنها مع الأحداث فأجد أن العمل الدرامي قد نجح في اقناعي وتغيير الصور غير الدقيقة في ذهني.. وكأني بالدراما قد أعطتنا اليوم درسا (ان البشر هم البشر) وهذه بحق هي عظمة اولائك النفر.

    ما يعاب على العمل عدم دقته في كثير من الأمور التاريخية -وإن كانت أمور قد تجوز على المشاهد العادي غير المطلع على السيرة- الا انها من ضرورات الأمانة التأريخية.. كذكر (عبد الرحمن بن عوف) من قبل القرشيين الكفار وما هو بذلك عندهم بل (عبد العزى) ولقد دارت بينه وبينهم قصص طريفة في تغيير اسمه حتى قال له صديقه أمية: (لا أعرف ما الرحمن ولكن اسميك عبدهُ) .. ومن الثابت ايضا ان عمر قد هاجر سرا!!  وان حكاية (من اراد ان تثكله امه) حكاية لا سند لها ولا أصل.  كما ان مكياج الشخصيات قد كان غير موفق فتشاهد (ابا بكر الصديق) فتراه ومكياجه قد ناهز الستين لا في عمر الاربعين حين البعثة او أقل!!
     وترى عليا في العام الثالث للبعثة صبيا صغيرا لم يتعد السابعة او الثامنة ثم هو رجل فوق الثلاثين حين ينام على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عشرة سنوات أو أقل!!
     ترى عمرا وهو يكبر في العمر كل حلقة وترى ابو جهل وهو يقتل بذات العمر الذي بدأت به البعثة!!
     ومن الاخطاء التاريخية الكبرى وهي مما يعاب على كل الاعمال الدرامية الاسلامية (عدا مسلسل الوعد الحق لطه حسين) تصوير (ابو لهب) عم النبي بصورة قبيحة وجثة ممتلئة وخوار وجبن وهذا كله غير صحيح فهو ما سمي (ابو لهب) الا لجماله الفاتن وحسن وجهه وما كان خوارا ولا جبانا! ولكنه قد كان صاحب لهو ومرح، كما انه لم يتخلف عن حصار بني هاشم في أوله بل مكث معهم حينا ثم خرج عنهم وكل هذا بسبب زوجه (أم جميل بنت حرب) اخت ابي سفيان بن حرب.. ولعل في هذا كناية القرآن بأن (امرأته حمالة الحطب) اي أن هي السبب في ما وصل اليه.

    عموما فإن الأحداث التاريخية كان من المتوقع لها ان تجانبها الدقة وأن يعتورها الخطأ وذلك لكثرة المصادر الاسلامية وكثرة التحريف والرأي الخطل.

    ما يحسب لصالح العمل الدرامي في الفنيات هو تصوير عمر بالصورة الطبيعية التي كان عليها فهو قد كان طويلا حتى اذا مر بقوم بينه وبينهم جدار حسبوه راكبا، ولكنه ما بالطول الشين ولا بالعاهة المضحكة كأن يقال بأنه يركب على (حصانه) فتخط قدماه من وراءه وهذا لعمري رجل لا وجود له! كعوق بن عونج الذي يشوي السمكة بحرارة الشمس!! كمان أنه قد كان أعسرا كما صوره العمل الدرامي.
     وأقل ما يقال عن الفنيات وتصوير المعارك أنها قد كانت محبطة.. 
    من معارك مسلسل عمرفلقد تهيأ المشاهد لأكثر من هذا فما كان من صناع العمل الا ان انزلوا سقف تطلعاتنا في كل يوم..وان كانت المعارك الكبرى تحتاج لجهد كبير فما بال المبارزة لا تُحدِث في النفس غير الملل وكأنها قد صوّرت في ساعة واحدة!!

    الى عودة ان شاء الله

    قصي مجدي سليم

التسميات: