مسلسل عمر: نقد وتحليل ٣
بيانات التكفير والتحريم والتجريم
- في البدء أحب أن أنقل للقارئ كامل بيان رابطة (علماء المسلمين) حتى يستقيم أمر نقدنا للمشاهدة وكيفيتها، فإلى بيان الرابطة:
بيان في حكم تمثيل الصحابة كما في مسلسل الفاروق وغيره
الكاتب: إدارة الموقع
الإثنين, 09 تموز/يوليو 2012 10:53بسم الله الرحمن الرحيم بيان في حكم تمثيل الصحابة كما في مسلسل الفاروق وغيره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين أما بعد: فإن للصحابة عند أهل السنة مكانة عالية، ومن نظر في سيرتهم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله، يجب الاحتياط لجنابهم , والذب عن مقامهم, قوم وصف الله تعالى لامزهم بالنفاق، وجعل المستهزئ بهم على خطر عظيم، كما قال: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) الآية79 سورة التوبة ، وحين قال بعض المنافقين في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء, أنزل الله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الآية65 ,66سورة التوبة .وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (ذهبت أحكي امرأة ورجلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا "أعظمَ ذلك") رواه أحمد رقم/25008والْمُحَاكَاةُ فِي القَوْلِ أَوِ الفِعْلِ " : الْمُمَاثَلَةُ ، الْمُشَابَهَةُ ، التَّقْلِيدُ . وإن رابطة علماء المسلمين وانطلاقا من الواجب الملقى على علماء هذه الأمة وبعد سماعها عن عزم بعض المؤسسات الإعلامية إخراج مسلسل تمثيلي عن فاروق هذه الأمة والمحدث الملهم , الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب رضي الله عنه ), وغيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, لتؤكد على ما يلي :أولا : أن التمثيل وإن كان غرضه الإشادة يعتريه شيء من الإزراء بالمُمَثَّل في بعض الأحوال، فكيف إذا كان المنتحل لشخصه دنيَّ المنزلة عند مقارنته به، بل قد يكون فاسقاً أو كافراً، فكيف إذا اجتمع معه تمثيل نساء الصحابة، وإبرازهن سافرات وبكامل زينتهن، أفيرضى أحدنا هذا لنسائه؟ فكيف إذا اقتضى ذلك محرماً من جنس اختلاط نساء أجنبيات برجال أجانب يدّعون أنهم صحابة! أوَ يتقرب مسلم بمثل هذا المنكر إلى ربه! (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)!ثانيا :ما يعتري انتحال شخص أحدهم –رضوان الله تعالى عليهم- بالتمثيل من محذورات شرعية أخرى , بيَّنها أهل العلم في بياناتهم و مؤتمراتهم وفتاواهم، ولما يفتحه تسويغ تمثيلهم حتى بالضوابط التي وضعوها من تمثيلٍ لأنبياء ورسله, إذ أدلة المجوِّزين واحدة.لهذا وغيره ذهب عامة العلماء المجتهدين إلى تحريم تمثيلهم، واتفقت على ذلك كلمة المجامع والهيئات العلمية المعتبرة منذ ظهر أمر تمثيل الصحابة في القرن الماضي، من ذلك : ما قررته هيئة كبار العلماء بالمملكة السعودية من منع تمثيل الصحابة رضي الله عنهم: والنبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى وذلك بقرارها رقم 13 وتاريخ 16 / 4 / 1393. - و أكد في البيان الختامي لمؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الرابع عشر المنعقد عام 1431 ما أصدره المجمع قديما من تحريم تمثيل الصحابة. وذلك عام 1974م. - و قرار المنظمات العالمية في مكة عام 1390هـ - و قرار هيئة كبار العلماء رقم 107 بتاريخ 3/11/1403هـ - فتوى اللجنة الدائمة رقم 4723 وغيرها. - و قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته العشرين عام 1432 المؤكد على تحريم تمثيل الصحابة المحرر في قرار المجمع بدورته الثامنة عام 1405 وغيرها.ثالثا: ندعو العلماء الذين أفتوا بجواز ذلك واستند إلى فتواهم من قام بهذا العمل, إلى أن يراجعوا ما افتوا فيه فالحق قديم والرجوع إلى الحق مزية وشرف وتقوى .رابعا: ندعو كل من تبنى هذا المسلسل أو ساهم فيه بأي وسيلة كانت , أو عزم على نشره في القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام أن يتقوا الله ويعرضوا عن دعمه ونشره , قال الله تعالى :(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).خامسا: وبناء على ما سبق بيانه فإننا ندعو عموم المسلمين لإنكار هذا العمل كل بحسبه،والبعد عن مشاهدته التزاما بقوله سبحانه(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم)نسأل الله أن يجنب المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. العلماء الموقعون على البيان :
أكثر من أربعين عالما يمثلون مختلف دول العالم العربي والاسلاميالمرجع : الموقع الرسمي لرابطة علماء المسلمين-----------------------------------------------------------------------
![]() |
| تمثال لـ أرسطو |
![]() |
| قناعي المسرح: أحدهم يرمز للكوميديا والثاني للتراجيديا |
- لاحظ أن البيان وفي بابه الذي خصصه لفضل الصحابة ومكانتهم عند الله قد أقحم في ذات الفقرة حديثا عن السيدة عائشة ومحاكاتها لشخص ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك! ثم ينتقل البيان بعدها مباشرة الى باب آخر وهو :
(أن التمثيل وإن كان غرضه الإشادة يعتريه شيء من الإزراء بالمُمَثَّل في بعض الأحوال،)
وأي شخص عاقل يقرأ حديث أمنا عائشة الذي اوردته الرابطة وتخريجات الآخيرة وشروحها للمحاكاة ثم اسقاط ذلك مباشرة على مسلسل عمر- اقول- اي شخص عاقل ومميز يعلم أن الرابطة تريد ان تقول امرا أكبر من مسلسل عمر، ولكنها حاولت ان تقفل باب مناقشته حتى لا تشوش على موضوعها الأساس (مسلسل عمر وتمثيل الصحابة)!! ان الرابطة تريد ان تقول أن المحاكاة في اصلها حرام!! أي ان التمثيل والاعمال الدرامية هي ايضا حرام!
ولكني كنت أظن أن للرابطة من الأسانيد ما هو أكثر متانة وحجية بدلا عن حديث يتحدث عن فضل ترك المحاكاة ولا يحرمها! او كما قال صلى الله عليه وسلم (ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا "أعظمَ ذلك")!!
ولكن للأسف فإن الرابطة لم تخطئ في فهم الحديث فقط بل هي اخطأت في فهم الدراما نفسها ولن ننخدع بقولها المتملق (ان التمثيل و إن كان غرضه الارشاد الخ) فليس غرض التمثيل الارشاد ولا هذه وظيفته الدرامية، وليس المحاكاة الدرامية هي المحاكاة التي ذهب بيان الرابطة الى شرحها اللغوي حين قال: والْمُحَاكَاةُ فِي القَوْلِ أَوِ الفِعْلِ " : الْمُمَاثَلَةُ ، الْمُشَابَهَةُ ، التَّقْلِيدُ .
وليس الفعل الدرامي كالفعل اللغوي! كلها أمور جانب الرابطة وبيانها الصواب في فهمها لأنهم أناس أفنوا أعمارهم في دراسة ما لا يضر ولا ينفع، ولو عمل أحدهم بعشر معشار ما درسه لفتح الله عليه من كل علوم الدنيا ولكنهم كما قال عنهم ربهم (أم على قلوب اقفالها).
ولا بأس من اعادة ما قلناه في حلقتنا الأولى عن معنى الدراما والزيادة في شرحها وليس في الأمر مسلاة لي ولا لكم.
قلنا ان الدراما في التعريف الارسطي لها هي ((محاكاة لفعل نبيل، تام، له عِظَم، في كلام ممتع.، بواسطة أشخاص ، لا حكاية))
و المحاكاة الدرامية ليست هي (المحاكاة) اللغوية التي ذهب لها بيان الرابطة، لأن الفعل المراد محاكاته هنا ليس بفعل (النحو) وفاعله ليس مرفوع بالضم ! وإن كان القصد من المحاكاة اللغوية هي السخرية من المحاكى فإن القصد من المحاكاة الدرامية هو ايصال رسالة فكرية بقالب جمالي وشتان بين الأمرين!!
- وإن كان الممثل "اللغوي" يرمي الى الاستهزاء والضحك، فإن الممثل الدرامي (كومدي او تراجيدي) يرمي لايصال تلك الرسالة عن طريق الفعل المحزن او المضحك!
من هنا نستشف خطل رأي الرابطة واستدلالها المعيب بحديث لا يمت للدراما بصلة ولا هو يتحدث عنها وليس العرب -على اي حال- بأهل تلك الصنعة فهي صنعة قد وفدت اليهم وعرفوها بعد دهر من فتوحاتهم أو شاهدوها في رحلاتهم الى بلاد الروم. ولكنهم كانوا اصحاب فن آخر وهو (الشعر) فصنعوا به معجزتهم الخالدة.
وجاء في بيان الرابطة:
وهناك حق وحيد في بيان الرابطة يمكن اخراجه من ركام باطلها الكثير وهو أن الممثل لدور ما يجب أن يكون ملتزما بدوره عن طريق معايشة الشخصية وحياتها الدرامية حتى يستطيع ان يؤدي دوره بصدق.. ويقال ان (انتوني كوين) "رحمه الله" قد سبق فريق العمل الى ليبيا في فلم (اسد الصحراء) وجلس في البادية شهورا عدة ثم انه قد كان يلبس ذات ملابس التصوير في حياته اليومية وتعلم الوضوء الصحيح والصلاة الصحيحة حتى حين بدأ التمثيل يخيل للمرء ان (عمر المختار) لن يكون غير ذاك الرجل (انتوني)!
Quote: فكيف إذا كان المنتحل لشخصه دنيَّ المنزلة عند مقارنته به، بل قد يكون فاسقاً أو كافراً
أما أيهما أفضل عند الله فتلك نتركها له سبحانه وتعالى وحسب الرجلان أنهما قد أخلصا في عملهما وكل ميسر لما خلق له.
وما قضية أفضلية الصحابة عن سائر البشر (ما خلا الانبياء) الا جهالة اخرى بغرض الدراما والتمثيل.. ولقد شرحنا في حلقتنا الأولى ذلك ولا بأس من الاعادة مرة أخرى فنقول في البدء أن تقديس المسيحي للمسيح يفوق تقديس المسلم لمحمد صلى الله عليهما وسلم ولكن المسيحي الأوروبي قد كان يعلم ان الدراما والتمثيل ليس محاكاة لغوية ولم ير احدا من القساوسة والرهبان أن مسرحيات وأفلام المسيح والقديسين تحط من قدرهم (في زمن كانوا يقتلون الناس بتهمة الهرطقة-كما يفعل علماء الاسلام الآن)!! إلا اذا اختلف احدهم مع الفكرة الدرامية ككل أو فكرة مسرحية بعينها او فلم بعينه كرأي افلاطون مثلا! فإما ان تقول الرابطة به فنناقشها فيه-ان كانت تعلم ماذا قال اصلا- أو تصمت حتى لو تم تمثيل كل الانبياء والرسل والملائكة.
اما بقية البيان عن الاختلاط وسفور النساء فنحن لا نعرف هل الاختلاط محرم قطعا عند الرابطة ام بمحاذير ام دراميا فقط؟ ولا نعرف هل السفور محرم قطعا ام مثل ما قلنا؟ ولا ندري اي اجماع هذا (لمجامع المسلمين بزعمهم) قد حرم تمثيل الصحابة والانبياء فكلها مجمعات جهلة لا يفقهون أمور دينهم ولا أمور دنياهم ولا نريد الخوض في تفاصيل ذلك الآن.
وكلمتنا الآخيرة، في أمر الاسلام والفنون، هي ان الفنون حلال.. كلها بلا فرز او شرط.. وليس هنالك نص ديني قد حرم فنا من الفنون لا الرسم ولا التلوين ولا التمثيل ولا الغناء أو الموسيقى أو النحت أو العمارة كلها اذا مورست لاجل الفن واغراضه لا لأجل الحرام في ذاته كأن ينحت احدهم صخرا ليعبده فهو محرم عليه كمسلم واما غيره فأمره لربه.
كيفية المشاهدة وماهيتها:
والعمل الدرامي يكتسب جودته من جمهوره الواعي فالنقد سواء من المتخصصين او غيرهم من الجمهور الواعي هو ما يجبر فريق العمل على تقديم أفضل ما عندهم (نصا واخراجا وتمثيلا) وأعتقد أن العاملين في الحقل الفني بوطننا العربي(المجازي) قد استمرأوا فكرة جمهورهم غير النقدي (ولم أقل غير الواعي تورعا) فأخذوا يخرجون لنا من الأعمال الدرامية ما يزيد سذاجة في كل حين.
فأبسط درجات النقد التي يمكن أن تقدم لمسلسلاتنا العربية هي عدم التزامها بخط فكري محدد.. فلا تفهم(في حالة الاعمال التاريخية) لماذا يتم تغييب الشخصيات المحورية في التاريخ، هل لمصلحة فكرة درامية! أم لمصلحة غير ذلك؟ أم خوفا ودرءا للفتنة المتوهمة؟
ولقد سمعت وقرأت كثيرا من المشاهدين والمهتمين يتحدثون عن (مسلسل عمر) فما تطرقوا لهفوات مهمة في بنية النص الدرامي ولا في اخراجه (كالصحابي الذي يظهر في خطبة الوداع وهو حليق الشعر بطريقة حديثة). أو كغياب شخصيات محورية وظهور غيرها! فأين هي ولماذا غابت حين ظهر أناس لا أهمية لهم في البناء الدرامي! ولماذا لم يلحظ المشاهد (العارف بالتاريخ غيابهم).
ولقد اعجبني ملاحظة البعض وقولهم عن حق : إن المسلسل ذكوري. قد غاب عنه نسوة اسهموا في صنع تاريخه الافتراضي.
ولكن النقد عموما من المشاهدين لم يتعد في مجمله الأمور الاعتقادية أو التاريخ واخطائه أو العمليات الفنية كالتمثيل والاخراج والسيناريو! أقول ان النقد لم يتعد تلك الأشياء الى بنية العمل الدرامية، ولا الى فكرته الفنية!فأكثر اخطاء العمل هو ابهام السبب منه! ولماذا (عمر)؟ ثم ما هي الفكرة الأساسية التي يريد العمل ايصالها! ثم ما هي الاسباب التي أدت لتطور الأحداث بالطريقة التي جرت بها!
أظن أن التطويل في العمل الدرامي قد دفع الكاتب الى تغريب فكرته بدلا من أن يكون مادة لابرازها وتعريتها للمشاهد فيتلقفها بسهولة ويسر.. فلو استقبل الكاتب من أمره ما استدبر لكان خير له أن يجعل العمل مزيجا من خلافة عمر وتاريخه بذات الصورة التي بدأ بها عمله ثم أخذت في الاخراج شكل عمر (وهو كبير في سنه) ينظر الى الاحداث من خلفه! كان من الأفضل أن يسير العمل بخلافة عمر وفي كل حدث يتم ابراز اسقاطاته الفكرية من التاريخ هذا ان كانت فكرته كذلك.
عموما فإن أكثر ما أعجبني في المشاهد أنه لم يأبه لرأي أي رابطة آو هيئة أو فتوى ولقد قالت لي خالتي في اتصال تلفوني بأن جدتي لا تنفك عن متابعة مسلسل عمر. وهذا لوحده انتصار كبير للدراما على الهوس الديني وعلى التكفيريين الذين افسدوا علينا الدنيا والدين.
قصي مجدي سليم
التسميات: نقد فني



0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية