عواقبُ تَدْيِينِ الدَّولة في مصر وتونس: التجربة السودانيّة نموذجاً
يطيب لي أن أقدم للقارئ مقدمة كتاب عواقب تديين الدولة في مصر وتونس، مع تقديم البروفيسور فاروق محمد ابراهيم وتصدير الدكتور الباقر العفيف مختار، وهو الكتاب الذي فرغت من كتابته في ابريل من العام 2012 ولكنه لم يصدر الا في مفتتح هذا العام 2013، آملا أن يلقى ما يرجوه الباحث والناقد من ملاحظات تقوم اعوجاجه فتعم بذلك الفائدة. صدر الكتاب عن دار أوراق للطباعة والنشر بالقاهرة، وهو متوفر فى مكتبات القاهرة والامارات العربية المتحدة، وسيعرض خلال معرض الكتاب بالشارقة في نوفمبر القادم.
------------------------------------------------------
عواقبُ تَدْيِينِ الدَّولة في مصر وتونس
التجربة السودانيّة نموذجاً
قصي مجدي سليم
المحتويات
تقديم:
بروفيسور فاروق محمد ابراهيم
تصدير:
دكتور الباقر العفيف مختار
شكر وتقدير
اهداء
المقدّمة
1. دينُ مَن؟، ودولةُ مَن؟
أ.
تاريخ الدولة وتديُّن المجتمع
ب.
جدليّة الغرب والشرق
ج. الديمقراطية الحديثة
د. السلفيّة الحديثة
هـ. دولة المسلمين
و. المشكلة الدستورية، 1965م
ز. ضمانات عدم الجور عند الإسلاميّين
2. الإسلاميون والدولة القومية
أ.
الأحلام المستباحة
ب. جدل القوميّة
3. المجتمع الدينيّ والدولة العلمانيّة
4. مستقبل الإسلام
أ. جيل الحرب
ب. ماذا يوجد في هذا الدين؟، وما هو السر؟
الخاتمة
نقد المصادر
ثبت الأعلام
تقديم بقلم بروفيسور فاروق محمد ابراهيم
------------------------------------
كانت الدستورية وإستقلال القضاء وحكم القانون أولى
ضحايا دعاوى "الشريعة" و "الدستور الإسلامي" اللذين رفعت
لواءهما حركة الإسلام السياسي في السودان في أعقاب الإنتفاضة الشعبية التي أسقطت
الدكتاتورية العسكرية الأولى (1958 -
1964). وقد أجهضت الإنتفاضة ووئدت الديمقراطية تماما حينما تم، بتحريض الدكتور حسن
عبدالله الترابي وحركته، حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من الجمعية
التأسيسية، ذلك بينما أعلنت الجمعية والحكومة حصانتهما من قرار المحكمة العليا
التي قضت بلا- دستورية وبطلان قرار الحل وما ترتب عليه.
وكانت
حرية الفكر والعقيدة الضحية الثانية للحركة التي تصالحت مع نظام النميري وبايعته
إماما، ثم أعانته على تطبيق "الحدود" وفرض "الشريعة" التي
نصبت بمقتضاها محاكم الردة والنظام العام، فقضت بإعدام الأستاذ الشهيد محمود محمد
طه وإستتابة تلامذته، بجريرة معارضة القوانين الجائرة التي أسماها الأستاذ محمود
إزدراءا بها "قوانين سبتمبر".
وكانت الدولة السودانية الضحية الثالثة للحركة
حينما أجهضت إنتفاضة 6 أبريل التي أسقطت الدكتاتورية العسكرية الثانية (1969 –
1985). فبدعوى مؤامرة إمبريالية مزعومة لحرمان الإسلاميين من المشاركة في السلطة
سخر الترابي والبشير ملشياتهم وعناصرهم العسكرية للإنقلاب في 30 يونيو 1989
على الحكومة المنتخبة التي لم تتجاوز
حصيلتهم فيها 10% من أصوات الناخبين. وعلى أنقاض مئات الآلوف من المشردين من
القوات النظامية والخدمة المدنية والقضاة والمعلمين وأساتذة الجامعات وغيرهم قاموا
ب"أخونة" الدولة الوطنية التي حشدوها بالموالين عديمي الكفاءة والمعرفة،
وسخروا الإعلام والتعليم بكل مستوياته "لإعادة صياغة الإنسان السوداني"
لمواءمة تلك الجهالة التي تعيد إنتاج النظام. وهكذا صار السودانيون، بعد 23 عاما
تحت الدولة الأخوانية، يتم إبتزازهم بأحد خيارين: الإستكانة أو الصوملة.
الضحية
الرابعة – بيت القصيد – كان الإقتصاد. لم نكن بحاجة لساحر إقتصادي ينبئنا أن تلاقي
الثروتين النفطية والزراعية مع الطلب العالمي المتزايد للغذاء يشكل أساسا لثورة
زراعية - صناعية تحقق العيش الكريم للسودانيين وغيرهم. لكن عوضا عن ذلك تم تخريب
القطاع العام – كل المشاريع الزراعية وعلى رأسها مشروع الجزيرة، وكل المؤسسات
الإقنصادية والخدمية - وبيعت بثمن بخس دراهم معدودة لطبقة رأسمالية
"إسلامية" طفيلية خلقت من عدم لتحل محل سابقتها الإنتاجية، ومن عداهم
صار يعيش على حافة التسول. والسودان الذي كان ينتج كل حاجته من الطعام صار يستورد
منه بالبلايين. أما المشروعات التي تم إنجازها فقد كانت بقروض تشكل عبئا ثقيلا على
الأجيال القادمة. وأما عشرات البلايين من دولارات عائد تصدير النفط فعلمها عند
علام الغيوب وعند سدنة النظام وحدهم. وأما عن الفساد فحدث ولا حرج.
الضحية الخامسة كانت وحدة شعب السودان وسلامة
أراضيه. لقد كان من نتائج تصعيد الحرب الأهلية التي جعل منها دعاة الإسلام السياسي
جهادا في سبيل الله أن وقف الرأي العام العالمي – والسوداني أيضا – إلى جانب حق
الجنوبيين في تقرير مصيرهم. وحينما وقع الفأس على الرأس رضي الإسلاميون بمقايضة
إنفصال الجنوب مقابل تطبيق "الشريعة" في الشمال. ولا غرابة أن صوت
الجنوبيون، بالإجماع تقريبا، لصالح الإنفصال. ولا غرابة أن تواصل التمرد المسلح في
دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق للتحرر من ربقة نظام يسعى لإستعبادهم
بدعوى شرع الله. ولا غرابة أن صارت الدعوة الإستعمارية لتفتيت السودان إلى دويلات
ممكنة التحقيق على أرض الواقع بفضل سياسات النظام. كما ولا غرابة أيضا أن صار رئيس
النظام ومعظم قادته طريدي العدالة الدولية لإرتكابهم جرائم ترقي لحالة التطهير
العرقي والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
إنني أكتفي بهذا القدر من سلسلة العوافب المأسوية
التي لا نهاية لها التي ترتبت على تجربة تديين الدولة في السودان. لقد أورد المؤلف
نمادج جيدة لتطابق محاججة القادة الأسلاميين في مصر وتونس مع رصفائهم السودانيين
لتبرير السياسات التي قادت لتلك العواقب، النعل بالنعل والحافر على الحافر. لذلك
فهو يخشى من تكرار هذه التجربة في مصر وتونس وربما ليبيا أيضا. لكن الظروف
العالمية والإقليمية والوطنية تغيرت في تقديري بما يجعل تكرار مثل هذه التجربة
صعبا. وها نحن نشهد النصف الأكثر حيوية من الشعب المصري وعلى رأسه القضاة
والمحامون والصحفيون والفنانون والشباب والنساء يقفون بضراوة ضد محاولة فرض دستور
يفسح الطريق لتجاوزات تقود لإعادة التجربة السودانية في مصر. كذلك فإن قوة مؤسسات
الدولة المصرية مقارنة برصيفتها السودانية – خاصة الجيش والقضاء – يجعل مثل ذلك
التغيير عصيا.
في أحد البرامج الحوارية التي تبثها القنوات
التلفزيونية لفت إنتباهي تشخيص أحد المحاورين لضرورة إستكمال الربيع السياسي
العربي بربيع فكري، مشيرا إلى الفجوة الفكرية العميقة التي تفصل الإسلاميين عن
العلمانيين. وتكمن أهمية الربيع الفكري في نظره في ضرورة تجاوز حدة هذا الإنقسام
الإسلامي – العلماني الذي فرق المجتمع إلى شطرين متضادين. ولا بد من
"جميعة"، أي تركيب جديد، لتوفيق "طريحة" و"نقيضة"،
جانبي هذا التناقض الجدلي الهيحلي، بحيث يتاح توحيد المجتمعات العربية والإسلامية
على طريق توطين التحول الديمقراطي. هذا هو الدور المنوط بالربيع الفكري. وهنا
بالضبط تكمن أهمية هذا الكتيب. فالكاتب ينطلق من توجه إسلامي من حيث الدعوة لتدين
المجتمع، لكنه يؤمن بحيادية الدولة بالنسبة للأديان كآلية لبث التدين المجتمعي،
ويقتبس لذلك في صدر الفصل الخامس، عن المجتمع الديني وعلمانية الدولة، مقولة
الدكتور عبدالله النعيم، استاذ القانون بجامعة أموري بأتلانتا: "إنني أدعو
إلى علمانية الدولة، من أجل تمكين التدين الصادق في المجتمع، وليس علمانية الإنسان
أو المجتمع"، ويفرد هذا الفصل لتلك الفكرة. كذلك فالمؤلف يشارك الدكتور
عبدالله النعيم في الرؤية الدينية التي تنطلق من الفكر التجديدي للأستاذ محمود
محمد طه، والذي يعتبر كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" للأستاذ محمود،
وكتاب "نحو تطوبر التشربع الإسلامي"، للدكتور عبدالله النعيم، من أهم
مصادره. وقد أفرد المؤلف الفصل السادس والأخير للكتيب لبسط هذه الرؤية. وبالتأكيد
فإن إنطلاق مثل هذا الجهد الفكري الذي يبتدع نماذج فكرية ملهمة لتجاوز الإستقطاب
الإسلامي – العلماني يشكل رافدا هاما للربيع الفكري المرتجى.
إننا أمام مشهد إستقطابي متكرر في كل ثورات الربيع
العربي: أقلية منظمة لتنظيم أصولي عالمي يرفع شعار الشريعة والدستور الإسلامي
المبهم ويقدم لقضايا العصر حلولا سلفية خادعة لبسطاء الناس، وأغلبية غير منظمة من
المسلمين الوسطيين والعلمانيين واليساريين وغير المسلمين تسعى لبناء مجتمع
ديمقراطي ودولة عصرية يستند دستورها على المواطنة والحقوق التي تكفلها المواثيق
الدولية لحقوق الإنسان. هذه هي جدلية الأصل والعصر. ولا يكمن حل التناقض في صدام
هذين التيارين اللذين بحملان كليهما جانبا من الحقيقة كما جاء آنفا، وإنما في
تركيب جديد يتضمن جانبي جدلية الأصل والعصر، يحظي بالقبول ويتجاوز الصدام. ومثل
هذا التركيب يشكل أساسا متينا لحركة إصلاح لا تقسر العصر في الدين وإنما تمكن
للدين في المجتمعات العصرية. وهو يشكل أيضا الأساس الفكري لمشروع توحيد فرق
المسلمين الوسطيين والعلمانيين واليساريين وغير المسلمين في حركة موحدة تكسب عقول
وقلوب المواطنين في الصراع الفكري والتنافس السياسي السلمي مع التيار الأصولي –
السلفي.
إنني أذهب لأبعد من حدود العالمين العربي
والإسلامي في تلمس التركب الجديد لحل جدلية الأصل والعصر وألفت الأنظارلحركة
الإحتلال السلمي لوول ستريت التي استلهمت مشروعها من الربيع العربي ومن مخيمات
إحتلال ميدان التحرير. وتختلف هذه الحركة التي قامت للتعبير عن رفض جشع النظام
الرأسمالي وإدارات الشركات العالمية المتحدة التي تلقي بكل ثقل الأزمة الراهنة
للنظام الرأسمالي على كاهل العاملين، تختلف عن حركات الإحتجاج الشبابية السابقة
للهيبيز ومدمني المخدرات. ذلك لأنها تتميز، أولا، بالجدية وبإعادة إكتشاف
الماركسية كبديل لنظام الإستغلال الرأسمالي بعيدا عن الممارسات اللا- ديمقراطية ولا-
إنسانية للنظام الشيوعي، وثانيا، بالمسعى لإعادة إكتشاف المكون الديني
والروحي لحركة الإحتجاج، إذ ضمت مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين وآخرين دهمتهم
الشرطة وهم يعبرون عن روحانيتهم بالموسيقى وبجلسات التأمل الصامت، وثالثا،
بالطابع السلمي لحركة الإحتجاج، ورابعا، بإلتقاء وتلاقح الأجيال من الجنسين
من مختلف الأعراق والثقافات والأعمار. وقد عبرت عن هذه الحركة التي شملت في العام
الماضي أكثر من مائة مدينة في الولايات المتحدة وأكثر من 1500 مدينة على نطاق
العالم الغربي الجمعية العمومية لمدينة نيويورك التي اختتمت وثيقة إجتماعها التأسيسي
بتاريخ 29 سبتمبر 2011 بالنداء التالي:
"يا شعوب العالم: إننا نحن الجمعية العمومية
لأهالي مدينة نيويورك الذين نحتل وول ستريت في ميدان الحرية، نهيب بكم أن تفرضوا
قوتكم. مارسوا حقكم في عقد الجمعيات العمومية السلمية، إحتلو الميادين العامة،
إكتشفوا آلية معالجة القضايا التي تجابهكم وتجابهنا، وأوجدوا الحلول المتاحة لكل
واحد منا ومنكم. نداؤنا لكل المجتمعات التي تشرع في ممارسة النشاط السلمي الإيجابي
بروح الديمقراطية المباشرة: إننا نعدكم
بتأييدنا، بالتوثيق لأنشطتكم، ولدعمكم بكل ما يتوفر لنا من إمكانات".
أود أخير أن أسجل أن لمؤلف هذا الكتاب، الأستاذ
قصي، جذور أعمق مما يظن في البحث عن المشروع التركيبي المنشود الذي يتجاوز حدود
الوطن والإقليم. فقد أشار إلى أن والده، الأستاذ مجدي سليم المحامي الذي يقبع الآن
في شموخ في أحد سجون مدينة واد مدني لتصديه بجسارة لمعارضة واستنكار الجريمة
البشعة التي ارتكبت بحق أربعة من طلاب دارفور بجامعة الجزيرة اعتقلهم جهاز ألأمن
إثر ندوة مطلبية طلابية سلمية ووجدت جثامينهم طافية في إحدى الترع، أنه كان ينتمي
لحزب سياسي مندثر إسمه الحزب الإشتراكي الإسلامي أسسه المرحوم بابكر كرار في ستينات
القرن الماضي. وحقيقة أن كرار إلتحق أولا بالحركة السودانية للتحرر الوطني (الحزب
الشيوعي) في العام 1948، ثم انفصل عنه وأسس "الحركة الإسلامية للتحرر
الوطني" في العام 1949، وأنه انفصل عن الحركة التي أسسها حينما انتصر عليه
التيار الذي تبنى إسم الأخوان المسلمن بقيادة حسن الترابي، فأسس "الجماعة
الإسلامية" في العام 1954. وقد أطلق مناوئوه على الجماعة إسم "شيوعيو- إسلام"
لدمج جماعته البرنامج السياسي الشيوعي في الإسلام. وقد كان شيوعيو- إسلام الأصل
الذي انبثق منه الحزب الإشتراكي المندثر.
التحية للمناضل الجسور مجدي سليم، والشكر للشبل
قصي لدعوتي لتقديم هذا الكتيب القيم الذي يلبي إحتباجا ضروريا عاجلا.
فاروق محمد ابراهيم - رئيس الهيئة السودانية
للدفاع عن الحقوق والحريات - الخرطوم، 19 ديسمبر 2012
تصدير بقلم دكتور: الباقر العفيف مختار
------------------------------
هذا كتاب صغير في حجمه ولكنه يتناول موضوعا عظيم الأهمية وبالغ الخطورة .. كما إنه موضوع الساعة، موضوع
العواقب الوخيمة لتديين الدولة..والكتاب يمثل نصيحة قائمة على التجربة.. أي هي
نصيحة مجرب، وفي الأمثال إسمع نصيحة مجرب ولا تسمع نصيحة طبيب.. وهي نصيحة تأتي في
الوقت الصحيح من الشخص الصحيح نرجو الله أن يهييء لها الوقوع على الأذن الصحيحة
لتنفعل بها الانفعال الصحيح.. وألا تكون كالصيحة في البرية، يتلقفها الفراغ،
ويرددها الصدي، ثم تعود إلى صاحبها فارغة.. والوقوع على الأذن الصحيحة يمثل التحدي
الحقيقي الذي يواجه هذا الكتيب.. فهو يصدر عن كاتب شاب، ومغمور، يتنمي لبلد هامشي،
يقع على تخوم العالم العربي، وهو بلد لا تشخص إليه الأبصار خصوصا في مجالات الفكر
والثقافة.. بينما رسالة الكاتب موجهة بشكل أساسي إلى مركز العالم العربي الذي شهد
ثورات الربيع والذي ما يزال ينتظر..
ومعروف في الطبيعة أن العلاقة بين المركز والهامش ثابتة لا تتغير،
فالهامش يظل يدور في مدار المركز مدى الحياة، كدوران الكواكب حول الشمس، أما في
الاجتماع البشري فالعلاقة ليست بذات الثبات والجمود، فهي علاقة جدلية، فيها أخذ
وعطاء، بالرغم من أنها لا تكون على قدم المساواة، فالمركز يعطي أكثر مما يأخذ،
والهامش يأخذ أكثر مما يعطي.. بيد أنه في مراحل تاريخية معينة، ووفق شروط بعينها،
يصبح بإمكان الهامش أن ينضم للمركز. فمركز
العالم العربي ظل يتغير عبر التاريخ، حيث بدأ في مهد رسالة الإسلام في مكة
والمدينة، ثم لم يلبث أن انتقل إلى الشام، في العهد الأموي، ثم إلى العراق في
العهد العباسي، ثم إلى مصر في العهد الفاطمي، وهكذا تشكل مركز العالم العربي
تاريخيا من هذه البلدان، واستمر كذلك حتى العصر الحديث.. فمركز العالم العربي الآن
لم يغادر هذه الأمكنة، إما بالتبادل، أو بالتزامن.
أما السودان الحالي
فقد كان أحد مراكز العالم الحضارية. هو موطن الحضارة النوبية التي ازدهرت لعدة
آلاف من السنين قبل مولد المسيح، وهو موطن الممالك النوبية العظمى. وتقف الأهرامات
حتى الآن في أرض النوبة، شاهدةً على عظمة الأمة النوبية. وفي القرن الثامن قبل الميلاد
قامت المملكة النوبية باحتلال كل أرض مصر وفرضت سلطانها على وادي النيل.. وكانت
مملكة النوبة لاعباً أساسياً في المسرح العالمي في العالم القديم، وأقامت الصلات
مع حضارات عدة. وكما أوضح لويدس بنغاي: "للسودان الشمالي حضارة قديمة مزدهرة،
سابقة لحضارة مصر الفرعونية ولمجيء الإسلام. وكانت النوبة ذات علاقة مع كل حضارة
ظهرت في مصر، الإغريق، الرومان، العرب، الأتراك والبريطانيين".[1]
ولكن رأت طلائع المتعلمين السودانيين إدارة ظهرها لهذا النسب الحضاري
العظيم، وإلقائه خارج حدود وعيهم، والالتحاق بالعالم العربي، والإكتفاء بالإقعاء
على هامشه، و أحيانا لعب دور حامل الأمتعة في الطرفة الشهيرة.. وأحيانا القيام
بدور الوكيل الثقافي الذي ينفذ للمركز مشروعاته في داخل السودان وفي أفريقيا.. وقد
ظلت هذه الطلائع ترنوا دائماً إلى هذا المركز كمصدر للإلهام الثقافي، والديني والسياسي،
وكمجال للسياحة الفكرية، ولاستعارة المنتجات الثقافية، وأصبح من غير المُتَوَقَّع
منهم أن ينتجوا أو يساهموا. ظلت هذه
الطلائع تتفاعل دوماً مع مصر، أو تتطلَّع عبر البحر الأحمر إلى الجزيرة العربية. فالرابطة الثقافية بينهم والعالم العربي، كانت،
على وجه العموم، طريقاً ذا اتجاهٍ واحد، تنتقل فيه المنتجات الثقافية، من خارج
الحدود الشمالية، عكس مجرى النيل، أو من الشرق عبر البحر الأحمر. ومن ضمن هذه
المنتجات الفكرية حركة الأخوان المسلمين المصرية المولد، والحركة الوهابية
السعودية. وهذا ما يجعل مهمة الكاتب في سعيه على الحصول على الأذن الصائبة
مهمة شديدة الصعوبة.
إن تجربة حكم الإسلاميين في السودان في الثلاثة وعشرين عاما الماضية
لشديدة الصلة بما يجري في مصر وتونس، وليبيا، وبما يمكن أن يجري في سوريا،
والأردن، والكويت، وبقية البلدان العربية. فكل الإسلاميين، وعلى اختلاف مسمياتهم،
رضعوا من ثدي واحد، هو ثدي حركة الإخوان المسلمين المصرية. صعد إسلاميو السودان
إلى سدة الحكم على أسنة الرماح.. وصعد رصفائهم في مصر وتونس عبر صناديق
الانتخابات. وفي الحالتين صعدوا دون رؤية، ودون فكرة، سلاحهم الأساسي دغدغة عواطف
الشعوب بخطاب شعاراتي، يستجدي الأشواق الدفينة للشعوب العربية الإسلامية باستعادة
أمجادهم التاريخية.. خطاب ترفعه قوة ودقة في التنظيم، وذرائعية لا تعرف الحدود.. أسمع مثلا قول الترابي وهو
يصف حركته، ويشهد عليها بنفسه. يقول الترابي: "كانت الحركة أحيانا تعارض
كيفما اتفق، وقد تلقى نفسها مفتونة بحمية المعارضة أن تزاود في الحق وتكابر.. أو
تنابذ في الخطاب وتهاتر... أو تشاقق في العلاقة وتهاجر ... أو تنافق بظاهر من
الموقف وتزدوج بمعاييرها، وأولى لها أن
تصدق وتستقيم في المخبر والمظهر وأن تقيم الميزان"[2]. وهل
ينتظر من حركة عديمة الأخلاق مثل هذه غير أن تنتج الكارثة.. لو نظرت الشعوب
العربية لما جرى ويجري في السودان لاتعظت، وأدركت أي حالقة تحدق بها، ولكنها لم
تفعل، وأهلنا يقولون "المكتولة –أي القتيلة- لا تسمع الصيحة". والشعوب
عموما ليست مفكرة، وإنما يفكر لها ويقوم بتوعيتها القادرون من أبنائها وبناتها.
والرأي العام، حتى في البلدان المتقدمة التي قضت على الأمية، يمكن أن يجري تضليله
على نطاق واسع، فما بالك بالشعوب العربية التي ينتشر فيها الفقر والجهل والمرض.
وعليه فالإسلاميون الذين يستخدمون الخطاب الديني، الذي يمثل رأس المال الرمزي
للشعوب المنطقة، يقفون على أرضية متقدمة بمراحل على منافسيهم من لبراليين،
وعلمانيين بمختلف مشاربهم في كسب عقول وأفئدة الشعوب، ولن تفضحهم سوى التجربة.
وهذا ما وقغ للسودانيين دون سواهم.
حكم الإسلاميون السودان لثلاثة وعشوين عاما كما سبق وذكرنا، فكان جصادهم
الهشيم، حطموا البلاد، وأذلوا العباد، وأشعلوا الحروب في أركان البلاد الأربعة،
وأقاموا دولة على مقاسهم، أصبح فيها أعضاء تنظيمهم هم الشعب.. فهم الحكومة وهم
المعارضة.. وهم الطبقة الرأسمالية.. والطبقة الإعلامية، وهم الأجهزة الأمنية.. وهم
الخدمة المدنية، بينما أحالوا بقية الشعب السوداني إلى مقاعد المتفرجين سياسيا،
والمهمشين اقتصاديا، والمقصيين اجتماعيا إلى أطراف المدن حيث يتوطن الفقر والمرض
والجهل والجوع..
إن تجربة السودان تقيم الدليل العملي على إفلاس الإسلاميين، حيث الشعار
بديل عن الفكر، والطقوسية بديل عن الروحانية، والشكلانية الدينية بديل عن جوهر
الدين المتمثل في "إقامة العدل والإطعام من جوع، و الأمن من خوف. فإقامة
المساجد عندهم أهم من محاربة البطالة، وتطبيق الحدود أهم من التنمية، وسوق الناس
إلى المساجد بقوة الدولة أهم من تأهيلهم مهنيا. فهم أعلنوا عن شغارات براقة، ولكن جاءت ممارساتهم على نقيضها تماما.. فتحت شعار
دولة "المشروع الحضاري"، إرتكبوا أبشع صور البربرية، والقسوة، واللا
إنسانية، وتحت شعار "القوي الأمين"، و "الأيدي المتوضئة"،
استباحوا المال لعام، واستحلوه، وسرقوه بصورة تتسم بالشراهة والشراسة والافتراس،
حتى أسماه رئيسهم "النهب المُصَلَّح"، بتحوير لعبارة "النهب
المسلح"، وقال أحد المصدومين من أعضائهم "والله إن إخواننا هؤلاء يأكلون
ناقة الله وسقياها". وتحت شعارات من شاكلة "نأكل مما نزرع"
و"نلبس مما نصنع" دمروا اازراعة والصناعة لدرجة أصبح معها السودان
يستورد حوالي 90% من طعامه وملبسه، حتى أطلق الشعب شعاره الساخر "نضحك مما
نسمع". و تحت شعارات إقامة المجتمع
الفاضل انتشرت الرذيلة، و إدمان المخدرات بين الشباب بصورة أجبرت أركان
النظام للاعتراف بها، وإقامة المؤتمرات لمناقشة ما أسموه "التدهور الأخلاقي"، حيث قُدِّمَت إحصاءات مرعبة تشير لاستفحال ظواهر مثل "الأطفال
اللقطاء"، وانتشار "مرض الإيدز" و"الزواج العرفي"
و"التسول" و"الأطفال المشردين".[3]
وخلاصة الأمر أنه وبعد ما يقارب ربع القرن من حكم الإسلاميينخرج أفراد من
تنظيمهم يؤلفون الكتب عن "أزمة الرؤية والقيادة". إذن فقد وصلوا للحكم
بدون امتلاك رؤية واضحة عن كيفية إقامة دولة حديثة، مستمدة من الاسلام.. إذ اتضحت استحالة قيام مثل هذه الدولة دون فكر
إصلاحي يعالج أمر الديمقراطية، وكرامة الانسان وحماية حقوقه. دولة تقوم على قوة
القانون، لا على قانون القوة..
لقد جرب شعب السودان أنواعا من الدكتاتوريات العلمانية.. وكانت تلك
الدكتاتوريات تصادر الفضاء السياسي فقط، بينما تترك الفضاءات الاجتماعية والتقافية
والخاصة حرة لا تدس فيها أنفها.. بيد أن دكتاتورية الإسلاميين تمددت في جميع تلك
الفضاءات، تحت مفهوم أن الاسلام دين ودولة. وأنه ينظم شؤون الحياة جميعها. فتدخلوا
في أخص شئون الناس، وحددوا لهم حركتهم، وملبسهم، ومواعيد نومهم، وصحوهم، و ما
يقرأون، كما صادروا ولاية الأسر على أفرادها بقوانين أسموها قوانبن النظام العام،
جُلِد تحتها أربعون ألف إمرأة في عاصمة البلاد وحدها، في عام واحد فقط حسب إحصاءات
الحكومة نفسها.
لقد أساء الإسلاميون للإسلام، وشوهوا شريعة الله، ونفروا عنها.. فكانوا
أكبر محنة أصابت السودان في عهوده كافة.. مزقوه شر ممزق.. إنفصل الجنوب في عهدهم،
وتصاعدت دعوات الانفصال في دارفور، و جبال النوبة، والنيل الأزرق.. تكاثرت الحروب،
و انتشر النزوح، وعم الفقر، وأنهارت العملة الوطنية بإزاء العملات الأجنبية،
وتدهورت خدمات الصحة والتعليم، والمياه، واستبيحت البلاد بواسطة بعض دول الجوار و
إسرائيل، بينما هم يستأسدون على شعبهم، ويتمادون في البطش به.
هذا هو ما ينتظر شعوب الربيع العربي ما لم تعتبر بتجربة السودان.. فهل
حكومتنا إلا الثمرة المرة لتلكم الشجرة الخبيثة؟
الباقر
العفيف مختار
مدير
مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية
ديسمبر2012م
مقدّمة
(1)
لا شكّ أن
التأريخ يُكتب من جديد، وفقاً للتحديات الجديدة التي فرضها شبابُ البلدان العربية
والأفريقية، ولكن أيّ شيءٍ سيكتبه التأريخ؛ هذا أمرٌ سننتظر قليلاً حتى نستبينه.
وقد عَنّ لي، في فترة الانتظار هذه، بين الثورة وأختها، أن أقوم بجهد بسيط في
الإسهام بالتحليل الموثَّق عن شكل مستقبلنا كشعوب ناطقة بالعربية –في مجمل أحوالنا-
وإن كنتُ مؤمنا بمقولة الأستاذ المصري الفذّ "حسين أحمد أمين" حين قال
في تقديمه لترجمة كتاب البروفيسور"عبدالله أحمد النعيم":
((يبدو أن المصريين قد اعتادوا واستمرأوا فكرة أن
تكون بلادهم مصدر الإشعاع الفكري في العالمين العربي والإسلامي، ذلك أن القليلين
من مثقفيهم هم الذين يلقون بالاً إلى الثمار الفكرية في الأقطار المحيطة بقطرهم،
أو يقدّرون الضرر الذي سينجم حتماً، عن هذه العزلة وهذا الإغفال)).[4]
أقول،
وإن كنتُ مؤمناً بالمقولة أعلاه، إنّ هناك دوماً أملاً بأن تجد الضالّةُ مؤمناً
يتلقّفها، ويأخذ بأسبابها، ويطوِّر من نقصها، فيفيد ويفيد.
نعم، إن
المصريين –إلا من رحم ربي- قد استمرأوا فكرةَ أنهم مصدرٌ للفكر؛ وأن الآخرين
مستهلكون له، أو منتجون بالوكالة المصرية، ولقد واجهتني هذه العُقدة وأنا في سبيل
الإعداد لهذا الكتاب، فكثيراً ما سمعتُ من أصدقائي، من الجنسين، في مصر، إنّ أمر
هذا الكتاب ليس بذي بال، ولن يَفيد منه الشعب المصري؛ إذ أن التجربة السودانية،
والمجتمع السوداني، بعيدون كلّ البُعد عن التجربة والمجتمع المصريين!، ولعل هذا،
إن صحّ، يخلق تساؤلاً في ذهن أي سوداني مفاده (لماذا إذن تلك العبارات الرنّانة
التي نسمعها دوماً بأن مصر والسودان "حِتّة واحدة")؟ إلا إن كانت تعني أن السودان
يمثِّل امتداداً تمثِّله له مصر بدَوْرِها؛ اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وفكرياً!،
أكثر من هذا، فإن السياسة بين البلدين كانت وما زالت يؤثّر بعضها على بعض، ولن تنفكّ.
إنّ الاهتمام
بالشأن السوداني لهو فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ يرى أن تطبيق الشريعة الإسلامية في
الحكم هو السبيل الأوحد للوصول إلى دولته التعبُّدية، ونقد تلك التجربة مِن أوجب
ما يحقّ أن يَنشغل به أهلُ ذلك الرأي؛ لأن السودان قد دفع:
((ثمناً باهظاً لمغامرة الدولة الإسلامية خلال
العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولكي يكون ذلك فداءً لجميع المجتمعات
الإسلامية الأخرى، يجب استخلاص العبرة بكلّ أمانة ووضوح؛ لأن كل تجربة لا تُوْرِث
حكمتَها تكرِّر نفسَها))[5]
وكلّ
الخوف أن تندفع مصر نحو دولتها الجديدة، غير ملقية أدنى بال لمن حولها من دولٍ
تنجرف تدريجياً نحو حالةٍ من التخبُّط السياسي سوف تكون لها سودُ العواقب في
مستقبل الأيام، وسيكون أمرها أجَلّ وأخطر وأكبر من أمر السودان؛ لأن التجربة لا
تكرِّر نفسها –حين تكرِّرها- بل تأتي أسوأ مما سبق.
هذا
الكتاب هو نذير عريان لشعبَي مصر وتونس خاصة؛ وللشعوب الإسلامية عامة، وما تجربتا
مصر وتونس، وحظوتهما بالخصوصية هنا، إلا مِن توافر مراجع قياداتها الإسلامية لدى
الكاتب، فهو من القصور البشري الذي يعتورني لا غير، وإن كنتُ أرى أنها تجربة سوف
تفيد كل العالم الإسلامي؛ بَلْهَ العربي.
سوف
نستعرض في هذا الكتاب مقولات لإسلاميين مصريين وتونسيين، ونقوم بمقارنتها بمقولات
مشابِهة، بل مطابِقة، لإسلاميين سودانيين في فترات مختلفة، وسوف نزيد على ذلك
بتلخيصِ مفاد تلك المقولات وانعكاسها العملي على الواقع السوداني!. بالطبع فإن لنا
حِجَاجَنا الذي سنُبرزه من فهمنا للدين الإسلامي، والذي يناقض ويختلف مع فهم دعاة
الإسلام السياسي، وسنقوم أيضاً بتلخيص لتجارب متطابقة مع ذلك الفهم، وماذا أنتج في
تلك الدول.
ولا بأس
هنا-في هذه المقدمة- من أن نضرب أمثلةً لما أردنا بقولنا عن النماذج والتلخيصات.
وأول ما نبدأ به تقريرٌ سنحاول تأكيده في كل فصول هذا الكتاب، وسنشرحه بإسهاب، وهو
أن كل دُعاة ما يُسَمَّى الدولة "الإسلامية" لا يمتلكون مفهوماً واضحَ
المعالم لتلك الدولة!، أبعد من ذلك فإنهم يتبارون في تكفير بعضهم البعض[6] لأتفه الأسباب، دَعْك مِن
تكفيرهم مَن هو خارج التصنيف الإسلامي حسب مفهومهم!، وهم في حين لا يمتلكون ذلك
المفهوم المتكامل -ولا يزالون مختلفين- يُنكرون على الآخرين إقامة أي مفهوم آخر
سوى مفهومهم!.
(2)
في العام
1956م نال السودان استقلاله
عن دولتي الاحتلال (الإنكليزي المصري)، وقبل أن ينصرم العام نفسه كُلِّفَت لجنةٌ
لإعداد الدستور، وفي تلك اللجنة شذَّت بعض الأصوات القليلة مطالبةً بأن يكون
الدستور إسلامياً، كان مِن تلك الأصوات مَن هو خارج اللجنة أصلاً، مثل علماء
المعهد العلمي، والذين ذهبوا إلى حد المطالبة بتمثيلهم داخل اللجنة؛ الأمر الذي
رفضه الساسةُ المنتخَبون[7]. وبالطبع فإن ممثِّل ومؤسِّس
الجماعة الإسلامية بالسودان (المرحوم بابكر كرار) كان من المطالِبين بالدستور
الإسلامي، إلا أن طلبه قوبل بالنقد من شخصين يمتَّان إلى أفكاره بصلة، كان أولهما
قاضي الشرع (محمد صالح الشنقيطي1898-1968م)[8] الذي عبَّر عن استيائه من الفكرة
بقوله:
والثاني
أيضا قاضي شرع وهو الشيخ (علي عبدالرحمن) الذي قال بوضوح:
أمثال
ذينك الشيخين لن يروا قبة البرلمان مرة أخرى بعد عقد من الزمان، أي عقب ثورة أكتوبر1964م والتي أطاحت بحكم
العسكر، وأتت بنظام ديموقراطي للسودان، ولكن سرعان ما تعاونت الطائفية مع جماعة
(جبهة الميثاق الإسلامي) بزعامة الدكتور (حسن الترابي) لقتل الديمقراطية في مهدها،
فبعد تعديل الدستور حُلَّ الحزب الشيوعي السوداني، وطُرِدَ نوّابه المنتخَبون من
البرلمان، وعندما رفع الحزب قضيته إلى القضاء السوداني[11]، وأتى الحكم لصالحه، رفضت
الحكومة تنفيذ الحكم، مما عَدَّه القضاة تحقيراً لدَورهم، فقدَّم رئيس القضاء (بابكر
عوض الله) استقالته، وذهب إلى مصر، حتى عاد رئيساً للوزراء بعد انقلاب (جعفر
نميري).
هولاء
الذين طَرَدوا الحزب الشيوعي، وصدحوا بكُفر أعضائه، هم أنفسهم مَن سيتحالفون معه
في ما بعد، وينادون معه بدولة ديمقراطية تعدُّدية!، وهم أنفسهم مَن سيحاربون معه
نظام "الجبهة الإسلامية القومية" الذي يرأسه (عمر البشير) ويرعاه
الدكتور (حسن الترابي)!، ثم لن يلبث أن ينضمّ الأخير نفسه، ناقماً وناقضاً وناقداً
نظام (البشير)، وينادي مع من ينادون بالتعدُّدية والديمقراطية!. كل ذلك تمّ باسْم
الإسلام، وتحت مسمّيات عدة؛ (الدستور الإسلامي)، (الدولة الإسلامية)، (الحاكمية
الدينية) أو {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ}[المائدة:44]. وخلاصة ذلك هي المغالطة اللغوية والفلسفية التي
عبَّر عنها أحد جهابذة التنظير الإسلامي الدكتور (أمين حسن عمر) قائلاً:
(نحن دولتنا إلهية[.!!]. دولة إنسانية[!!]، ترتكز
على الهدى الإسلامي، وهي قابلة لأن تخطئ وتصيب)[12]
[!!].
التعجُّب
من عندنا.
تلك
الدولة (الإلهية) والتي "تتماهى" مع (الإنسان) الذي يخطئ ويصيب، يظنّ
أصحابها، حين يتحدثون عن الدولة (كأهل الحل والعقد فيها)، بأنها (إلهية)، أما في
حال فشل التجربة فإن التبرير الأمثل أنها (قابلة لأن تخطئ وتصيب)!.
لا شك أن
(الإسلاميين) في العالم العربي قد طوَّروا من أطروحاتهم، ولكنه تطوُّر في مجال
"الشعارات" لا في الأفكار، ففي السودان نرى (عمر البشير)، الذي حَكَم باسْم
الشريعة الإسلامية، وشهد السودان في عهد شريعته أسوأ فترات حكمه، اقتصادياً
وحقوقياً واجتماعياً وقانونياً وسياسياً؛ نراه يتحدَّث الآن عن (الديمقراطية
وتداول السلطة، ودولة المؤسسات، ومحاربة الفساد، والشفافية) وهو الذي ظلَّت دولته
تصنع عكس كل ذلك لأكثر من عقدين!.
وفي مصر
نرى نماذج لدعاة دينيين ينادون بالديمقراطية في إطار الدولة الإسلامية!، ويتحدثون
عن ضمانات دولتهم لغير المسلمين، ويُعْيُون أنفسهم في شرح طويل ليصلوا إلى تبريرٍ
–لست أدري من المعنيّ به- بأن غير المسلمين سيكونون سعداء في دولتهم الجديدة؛
لأنها توفّر لهم أكثر من العدل؛ وهو الإحسان، وأكثر من الجزاء، وهو الرفق!. وعندما
تقرأ هذه الشعارات تظن أن غير المسلمين في دولة الإسلام –حسب مفهومهم- سيكونون
أكثر من مواطنين درجة أولى، فهم (مواطنون وزيادة)![13]Super citizens، ولكن لأن الأمر محض شعارات،
سرعان ما تتجلّى الحقائق في بطون الكتب تضرب لك عرض الحائط بأبسط مفاهيم المواطنة،
كحقّ تولِّي الوظائف العامة من أدناها إلى أعلاها دون تمييز؛ لأن:
(الحكومة في الدولة الإسلامية لا يقودها إلا من
يؤمنون بمبادئ الدولة، وإن جاز أن يتولى غير المؤمنين بالإسلام أصنافاً من المهام
والوظائف الإدارية، إلا أنهم لا يتولون مناصب القيادة والحل والعقد)![14].
الأمرُ
ذاته، والشعارات ذاتها، رَفعتها قيادات الإسلاميين في تونس، بذات الطريقة
الملتوية، فمضمون الديمقراطية هو:
(الاعتراف بقيمة ذاتية للإنسان يكتسب بمقتضاها جملة
من الحقوق الفعلية مثل المساواة مع غيره.. إلخ)[15].
تلك
(المساواة-الشعار) تتجلى في تناقضٍ عظيم، بعد حين، في مواصفات رئيس الدولة، فماذا
اشترطوا في الإمام؟:
1. الإسلام: وهو شرط بديهي في دولةٍ الإسلامُ
عقيدتها، وإنما قامت لإنفاذ شرائعه وخدمة أمنه ونشر رسالته)[16].
إنَّ
القفز ليس بهيِّن على هذه المغالطة البدهية، دَعْك من التناقض النصّي، فمن معطيات
الذكاء الفطري أنه ما من دين هو غاية في ذاته، وإنما الغاية هي صلاح وخير البشرية.
والدولة؛ أي دولة، حتى دولة المدينة، ما قامت حين قامت لخدمة أمن الدين، بل لخدمة
أمن الأفراد، والمجتمع؛ لأن الله {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ
ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}[النحل:90]، ولأن إسلام محمد صلى
الله عليه وسلم ليس بغاية في ذاته، وإنما الغاية روحه، لهذا فلا بأس من أن يحكم
{أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ}[المائدة:47]. والدولة ما قامت
لإنفاذ شرائع الدين، وإنما شرائع الدين أتت لتقوِّم من أمر المجتمع!، فقد {كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ
أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[البقرة:213]. تلك أمورٌ بديهية لا
تحتاج إلى رأي فقيه ولا إلى غُلاط فيلسوف، ولكن دعاة الدولة الإسلامية –بفهمهم- لا
يشعرون بأدنى حرج في أن يَلْوُوا عنق الحقيقة، بل عنق البديهة الإنسانية، وإن توسَّلوا
في ذلك التدليس من شاكلة:
(وعلى الصعيد الدستوري والقانوني فإن كثيراً من
الدول لا تعترف لأحد بحق المشاركة السياسية، كتكوين الأحزاب، فضلاً عن الترشُّح
للمناصب العليا، من دون أن يكون معترِفاً بعقيدة الدولة القائمة: ففي كثير من
الأنظمة الجمهورية لا يُسمح بقيام حزب يدعو إلى الملكية... بل إن العرف الأمريكي
يذهب إلى أن يكون الرئيس من فئة ذات مواصفات محدَّدة تثعرف باسم المواصفات؛ أبيض
وأنكلوسكسوني وبروتستانتي)[17].
ونسي
السيد راشد الغنوشي أن يضيف (جمهوري أو ديموقراطي) (بوش الأب أو الابن).
هل ترانا
نحتاج أن نقف هنا!، ونحدِّث القارئ بأن هذا القول تدليس للحق، وبُعد عن التجربة؟.
لا أظنّ أن فطنة القارئ تحتاج ذلك، وأظن أن السيد "الغنوشي" سيحتاج
لتنقيح كتابه بعد فوز "أوباما".
أما مغالطات
بديهيات الدولة الإسلامية-في مفهوم الإسلاميين- فإنها لا تنتهي، ولقد كذَّبها
الواقع السوداني تباعاً، ففي حين أنهم يقولون إن الدولة الإسلامية لا يحقّ تولي
رئاستها إلا مسلم؛ لأن أغلبيةَ أهل الدولة مسلمون، نرى أن أغلبية المسلمين في
السودان، ومنذ العام 1968م، قد أسقطوا مقترح الدستور الإسلامي -الذي تقدَّم بمسودته (حسن الترابي)
للجنة- ديموقراطياً، تلك اللجنة قد ضمّت في معيتها غالبية مسلمة تشهد ألا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتصوم الشهر، وتحج البيت ما استطاعت إليه
سبيلاً، ولكنها رأت التناقض البيّن في حديث الدكتور (الترابي) عن حقوق المواطنة
وتولّي الرئاسة، ولا بأس أن ننقل جانباً من مداولات اللجنة التي أفضت إلى سقوط
دستور (الترابي) الإسلامي حسب فهمه:
{((السيد موسى المبارك: جاء في مذكرة اللجنة الفنية
نبذة حول الدستور الإسلامي في صفحة (7) أن يكون رأس الدولة مسلماً، أودّ أن أسأل؛
هل لغير المسلمين الحقّ في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس ؟)).
((السيد حسن الترابي: ليس هناك ما يمنع غير المسلمين
من انتخاب الرئيس المسلم، الدولة تَعتبر المسلمين وغير المسلمين مواطنين، أما في ما
يتعلق بالمسائل الاجتهادية، فإذا لم يكن هناك نص، يُترك الأمر للمواطنين عموماً؛
لأن الأمر يكون عندئذ متوقفاً على المصلحة، ويُترك للمواطنين عموماً أن يقدّروا
هذه المصلحة، وليس هناك ما يمنع غير المسلمين أن يشتركوا في انتخاب المسلم، أو أن
يشتركوا في البرلمان لوضع القوانين الاجتهادية التي لا تقيِّدها نصوص من الشريعة)).
((السيد فيليب عباس غبوش[18]:
أودّ أن أسأل يا سيدي الرئيس، فهل من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس
المستوى فيُختار ليكون رئيساً للدولة ؟)).
((الدكتور حسن الترابي: الجواب واضح يا سيدي الرئيس،
فهناك شروط أهلية أخرى كالعمر والعدالة مثلاً، وأن يكون غير مرتكب جريمة،
والجنسية، وما إلى مثل هذه الشروط القانونية)).
((السيد الرئيس: السيد فيليب عباس غبوش يكرِّر
السؤال مرة أخرى)).
((السيد فيليب عباس غبوش: سؤالي يا سيدي الرئيس هو
نفس السؤال الذي سأله زميلي قبل حين –فقط هذا الكلام بالعكس– فهل من الممكن أن يثختار
في الدولة – في إطار الدولة بالذات – رجل غير مسلم ليكون رئيساً للدولة؟)).
((الدكتور حسن الترابي: لا يا سيدي الرئيس))}[19].
ونرى
جيداً -كشأن مَن نعرف مِن الإسلاميين- محاولات الترابي للمراوغة عندما حاصره
النائب (فيليب عباس غبوش) حتى اضطرّ الرجل إلى إعادة سؤاله، وحينها لم يلق بُداً
من الإجابة الصريحة على سؤال السائل، حينها سقط دستوره الإسلامي ولم يُجَز، وعندما
سقط (الترابي) في خيارات الديمقراطية للمرة الثانية عام 1986م، ولم يختره الشعب السوداني، لم يجد غير سبيل
الانقلاب العسكري، ليفرض على (المسلمين) وغير المسلمين رؤاه حول الدستور الإسلامي،
فكانت دولة (الشريعة الإسلامية) في السودان، مطابِقة في مقولاتها لما ينادي به
دعاة (الشريعة) في مصر وفي تونس. ولكن العقلية (الإسلاموية) لا ترضى أن يُقال لها
بأنها قد فشلت، ولم تَضُع بأدنى نفحة من الروح الديمقراطية، هذا ما يحملها دوماً
لتبرير أفعالها من خلال (نظرية المؤامرة) الدائمة.
من
الملاحظ في السرد السابق أن دستور الترابي قد سقط ديموقراطيا، وأن الترابي نفسه لم
ينجح في انتخابات 1986م أيضاً. ولكن هيهات أن ترضى عقلية (إسلامي) بأن فهمه للإسلام خاطئ، وأن
الناس لا تريده، ولا بُدّ –في نظره- من أن هناك مؤامرةً ما تحاك له. في مقابلة
نشرت في Islamonline.net بتاريخ 29سبتمبر 2003م حاور مراسلُ الموقع
الشيخَ حسن الترابي حول مفاصلته مع (البشير) وخروجه عن النظام في العام 1999م:
((س: ولكن ألا تتفق معنا يا دكتور في أن العامل
الرئيسي لفشل هذه التجربة يكمن في خياراتها المبدئية؟، فأنتم عندما قبلتم الوصول إلى
السلطة عن طريق انقلاب عسكري كنتم ترسمون هذه النتائج بأيديكم قبل أن تحدث؟.
ج: يا أخي هذه كانت ضرورة، فالعهود القديمة رفضت أن
تفسح مجالاً لنا، وحتى الديمقراطية في الغرب -كما قلت لكم- لم تنجح هكذا بدون ضغوط
وثورات، ولكن الخطأ، من وجهة نظري، هو عدم اللجوء إلى الناس والقيام بثورة شعبية؛
فالاعتماد على العسكر هو الذي أوقعنا في هذا الخطأ، فحين قالوا لهم: "أخرِجُوا
هؤلاء من الحكم أو نخرجكم"، أسرعوا بإخراجنا والزجّ بنا في السجون، ولكني أؤكِّد
مرة أخرى إنها كانت ضرورة فلم نكن لنصل إلى السُّلطة بدونها)).
إذن هي
السُّلطة، وهي الغاية تبرِّر الوسيلة؛ أياً كانت. هذا الرجل الذي نقلْنا عنه،
وسننقل عنه مرات ومرات داخل فصول هذا الكتاب، ينال احترام كل جماعات الإخوان
المسلمين. نرى السيد (راشد الغنوشي) ينقل عنه في كتابه مستشهداً مرة تلو الأخرى،
ولا ينفكّ في بعض الأحايين يصفه (بالذكاء الخارق). ونرى السيد الدكتور (يوسف القرضاوي)
يكيل له الثناء كيلاً. فإذا كان هذا هو حال قيادات الإخوان والإسلاميين، فإنهم بلا
شك يتماهون مع رؤاه حول الدين والدولة، وهذا ما نخافه على الناس في بلاد الإسلام
عامة؛ أن ينجرّوا مرة أخرى إلى تطبيق أسوأ ما حدث في القرن العشرين!. الحق أقول
لكم إنّ أسوأ سنوات شهدها السودان (باستثناء كارثتي دارفور وجبال النوبة) كانت
و(الترابي) يتربّع على كرسي السُّلطة آمراً ناهياً، بل إن حكومة (البشير) بعد
المفاصلة كادت أن تتحول إلى دولة ديمقراطية!!، لولا بقية (أولاد الترابي)[20] معه.
ما هذا
الكتاب إلا صورة مستقبلية كالبرنامج التلفزيوني الشهير (تشاهد غداً) في تونس وفي
مصر. وحتى يختار الناس وهم يعلمون ماذا يختارون ولماذا يفعلون. وشعارنا لهذا
الكتاب هو شعار النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: (ألا قد بلّغت، ألا
قد بلغت، ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد).
والله الموفق
قصي مجدي سليم
القاهرة 06-04-2012م
[4] "نحو
تطوير التشريع الإسلامي" عبدالله أحمد النعيم-ترجمة وتقديم حسين أحمد أمين-
دار سينا للنشر، القاهرة 1994م.
[5] عبدالله
أحمد النعيم "الإسلام وعلمانية الدولة"-ط1 دار ميريت 2010م-ص361.
[6] انظر
في هذا الصدد كتاب راشد الغنوشي"الحريات العامة في الدولة الإسلامية" ط1
دار الشروق 2012 ج1 ص31.
[7]
د. منصور خالد- النخبة السودانية وإدمان الفشل(الجزء الاول) ص 234.
[8] أول
رئيس للجمعية التشريعية السودانية 1948، انتُخِبَ رئيساً لمجلس النواب عام 1958م.
[9] النخبة
السودانية وإدمان الفشل-م س- ص 235.
[10] نفسه
ص 236.
[11] سنتعرض
بإسهاب لهذه القضية التي سثميت-الأزمة الدستورية- في فصول الكتاب.
[12] أولاد
الترابي: الإنكار والتنكّر- عبد الماجد عليش- دار عزة للطباعة والنشر- ص 62.
[13] د.
راغب السرجاني-مستقبل النصارى في الدولة الإسلامية-أقلام للنشر والتوزيع
والترجمة-ط1 2011م-ص69.
[14] نفسه
ص 104.
[15] راشد
الغنوشي- مصدر سابق ص118.
[16] نفسه
ص235
[17] نفسه
ص236-237
[18] نائب
مسيحي عن منطقة جبال النوبة في جنوب غرب السودان.
[19] محضر
مداولات اللجنة القومية للدستور الدائم للسودان1968م- المجلد الثاني- نقلاً عن
كتاب: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في الميزان- محمود محمد طه- ص المقدمة.
[20] "أولاد
الترابي: الإنكار والتنكّر" اسم كتاب للأستاذ عبد الماجد عليش وسنتطرق له في
هذا الكتاب.
التسميات: اسلاميات، تجديد ديني، علم الأديان، فكر


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية