الجمعة، 9 نوفمبر 2018

الشيرازي




لا يكفي المرء، في أي حضارة، أن يطلع على أعمال شاعر واحد أو اثنين ويكتفي بذلك، ولكني أزعم أن أبا تمام يكفي مطالعه كل صنوف الرثاء، والمتنبي يكفيه ما تبقى من أغراض، هذا اذا استثنينا شعراء المتصوفة.

ولست من العالمين بالحضارة الفارسية الاسلامية، ولكني وجدت في شعر حافظ الشيرازي ما يجعلني أزعم مطمئناً بأنه من الجودة بحيث يستحيل على غيره من الفرس أن يأتي بمثاله وفضله وفتوته..

ولقد أتاحت لي الظروف في الآونة الاخيرة أن أطالع ديوان حافظ منقولاً إلى العربية بيد الدكتور ابراهيم أمين الشواربي، ومقدماً له عميد الأدبي العربي طه حسين.. وتمتاز ترجمة الشواربي على الترجمات الأخرى التي وقفت عليها بعد ذاك بأن صاحبها قد نظمها شعراً عربياً لم يخل بالمعنى ثم أتبعها بترجمة منثورة لمن أحب أن يقارن بين نظمه وأصل ما نقل، ولقد وفق في بعض الأحيان فأتى نظمه عبقرياً وأخفق في البعض الآخر فجاء نظمه مجافياً لروح ما أراده حافظ!




وترجمة الشواربي تعتورها سيئة أخرى، فالرجل لا علم له بدقائق التصوف وأسراره ومناهجه، فهو يتخبط في فهم اشارات حافظ البينة للعارفين بالتصوف بكل اللغات.. فيعجز عن فهم سعدى وليلي وسعاد ويظنهن محبوبات حقيقيات لحافظ فقط.. وفي دقائق التصوف قد يكن كذلك، ولكنهن، مع ذلك، اشارات واضحة للذات المطلقة حين يريد المحِب لها أن يشير.

وامتازت طبعة الشواربي بشرح مطول لحياة الشيرازي وهوامش مفيدة للمطالع العربي تشرح له ما خفي من تاريخانية النص وقصصه الأسطورية أو الحقيقية حسب الناظر.

ومن سيئات الترجمة (الذاتية) أنها تكتفي بإيراد مطلع البيت الشعري الفارسي، ثم تواصل بعد ذاك في ترجمة ما تبقى بالعربية، مما يحرم المطالع العربي من لذة النظر للأصل الفارسي الذي تسهل (مع قليل من الجهد) على العربي قراءته، فأصل الحرف العربي- كما هو معلوم- والفارسي والأردو الهندية واحد.. كما أن الشيرازي تحديداً، ولعله ديدن  الفرس في زمانه، شارك النظم العربي في بحوره.
وتلك المشاركة في البحور اتاحت لحافظ أن يكتب الشعر الفارسي والعربي معاً، أكثر من ذلك، فإنه كثيراً ما يمزج بين الصدر العربي والعجز الفارسي أو العكس..

ومن ميزات ترجمة الشواربي أنها قد جاءت قبل الاحتقان السياسي بين العرب والفرس (حديثاً) فذكرت بسهولة ويسر كل الهوامش التي تخللت الصراع (قديماً) ومن ألطف ما قرأته في ذلك شرحه لمطلع أول قصيدة في (الغزليات) والتي تقول:
الا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها
كه عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشكلها

والشطر الأول كما هو ملاحظ عربي صرف، وعجزه فارسي، وهو يعتمد فيه الطريقة العربية حيث تبدأ القافية من الصدر ثم تواصل تباعاً في العجز دون الالتزام بها في الصدر.. ولكن هناك شيء اخر.. فصدر البيت كما هو منسوب ل (يزيد بن معاوية بن أبي سفيان) بتعديل بسيط، وهو أمر قد لاقى استهجان كثير من أهل بلاد فارس الذين يبغضون يزيد مع كثير من المسلمين، لأنه وراء قتل الحسين بن علي!
ويذكر الشواربي قبساً من التنازع النفسي الذي اعتور محبي شعر حافظ بايراده لأبيات رقيقة لطيفة منسوبة للشاعر (اهلي الشيرازي) يقول فيها:
خوجة حافظ را شبى ديدم بخواب
                گفتم أى در فضل و دانش بي مثال 

از چه بستى بر خود اين شعر يزيد
                      با وجود اين همه فضل وكمال

ومعنى البيتين: زارني خوجة (وتعني المعظم او الشريف) حافظ بالأمس في المنام.
فقلت له سائلاً: أين شعر يزيد الفاسق، من مقامك العالي وفضلك وكمالك؟!

وجاء رد حافظ على لسان أهلي شرازي بالفارسي الفصيح حين قال:

گفت واقف نيستى زين مسألة
            مال كافر هست بر مؤمن حلال

وهذا بيت فارسي يسهل على العربي ترجمته، فحافظ يقول: لقد سألت ولكنك نسيت أمراً مهماً، فمال وطعام الكافر للمؤمن حلال!

فلا يضر شاعرية حافظ أن يقتبس من يزيد أو ابليس لأنه قد امتلأ بالشعر حتى وسع جلباب قصيده كل البشر.. وكأنه يقول:
وما في محبتها ضد أضيق به
هي المدام، وكل الناس ندمان

ما أردت أن اتعرض بالنقد لترجمة الشواربي، ولكن الحرفة (لعنها الله) طغت على ما اكتبه، بل أردت أن أعرف بأثر حافظ على نفسي لأشرك من اطلع ومن لم يفعل فنصيب من متعة الشرك الأكبر.. كبرياء وعظمة الأنا التي تتضخم وتنتفخ حين ترى جمال الاطلاق في الفن الأصيل.
وصدق عالم النفس الفيلسوف الأستاذ المتنبي حين قال:

والظلمُ من شيمِ النفوسِ 
فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلمُ

التسميات: , ,

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية