شعر الخميس مع الأستاذ
وأنت حين تقرأ لشارح من الشراح، مثل العكبري والمعري وغيرهما، يعجبك ما يصيبهم من حالات جذب سماوي. حتى أن صاحب اليتيمة (الثعالبي) قد ناله ما ناله وهو يطالع قول الأستاذ:
أزُورُهُمْ وَسَوَادُ اللّيْلِ يَشفَعُ لي,
وَأنثَني وَبَيَاضُ الصّبحِ يُغري بي
فصدح وقال إن هذا من قلائد شعر المتنبي، ولعله أمير شعره... فلله دره! وناهيك بشرف لفظه، وبراعة نسجه!
وقال إن الناس قبل المتنبي قد أعجبوا بييت مطابقات ثلاث للبحتري، حتى جاء أبو الطيب فزاد عليه، مع عذوبة اللفظ ورشاقة الصنعة!
وجمع الأستاذ في البيت بين خمس مطابقات الزيارة والانثناء، وهو الإنصراف، والسواد والبياض، والليل والصبح، والشفاعة والأغراء، ولي وبي، ومعنى المطابقة في الشعر الجمع بين المتضادين يقول أزورهم والليل لي شفيع لأنه يسترني عنهم وعند الأنصراف يشهرني الصبح وكأنه يغريهم بي حيث يريهم مكاني
والثعالبي ذاك قد ألف يتيمة الدهر وذكر فيها من ذكر، فما وقف مع شخص مثل المتنبي. ولو أنك اطلعت على فهرس كتابه لظننته من القادحين فيه؛ فمن أبوابه: بعض ما كره من معاني شعر المتنبي، وعسف اللغة، وسرقاته، والخروج عن الوزن، والركاكة والإسفاف الخ..
ولكنك إن طالعت بعدها ستجد ما تجد من أبواب في: حسن المطالع والتخلص والتصرف والتشبيه بغير أداته، والإبداع في سائر مدائحه وغير ذلك من أفضال الأستاذ.
ولكنك ستجد باباً مهماً وهو عن افتضاض الأستاذ لأبكار المعاني! ولعمري قد فعل وكأنه زير اللغة، يخلو ويشبب بها فعل معشوق بمعشوق.
وحين أتى العكبري إلى بيت الأستاذ هذا، انتاشته سهام وأصابه هيام فقال:
وَقد أجمع الحذاق بِمَعْرِِفَة الشّعْر والنقاد أَن لأبى الطّيب نَوَادِر لم تأت فى شعر غَيره وهى مِمَّا تخرق الْعُقُول مِنْهَا هَذَا الْبَيْت وَمِنْهَا
(أتَتْهُنَّ المَصَائِبُ غافِلاتٍ ... )
وَمِنْهَا فى كافور
(فجاءَتْ بِنا إنْسانَ عينِ زَمانِه ... )
مَا مدح أسود بِأَحْسَن من هَذَا
وَمِنْهَا
(فَذِى الدارُ أخَوَنُ مِن مُومِس ... )
مِنْهَا
(إنْ كانَ سرَّكم مَا قالَ حاسِدُنا ... )
وَمِنْهَا
(أرْجو نَداكَ وَلَا أخشَى المِطال بِهِ ... )
وَمِنْهَا
(إِذا مَا سِرْتَ فى آثارِ قَوْمٍ ... تَخاذَلَتِ الجَماجِمُ والرّقاب ... )
قَالَ ابْن نباتة نحسن أَن نقُول وَلَكِن مثل هَذَا لَا نقُول وَمِنْهَا
(إِذا غَزَتْه أعادِيه بِمَسْئَلة ... )
وَبعده
(كأنَّ كُلّ سُؤَالٍ فى مَسامعه ... )
وَمِنْهَا
(تأتى خَلائقُك الَّتِى شَرُفتَ بهَا ... )
والذى بعده من أرق الْمَدْح وأظرفه وَمِنْهَا
(وجُرمٍ جرَهّ سُفَهاء قَوْمٍ ... )
وَمِنْهَا
(وَمَا الحُسْن فى وَجه الفَىّ شَرَفا لَهُ ... )
وَمِنْهَا
(وإنَّ قليلَ الحبّ بالعَقل صَالح ... )
وَمِنْهَا
(إِذا رأيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَة ... )
وَمِنْهَا فى القصيدة
(أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْك صَادقةً ... )
وَمِنْهَا فِيهَا
(وَمَا انْتِفاع أخى الدُّنيا بناظِرِهِ ... )
وَمِنْهَا
(خُذ مَا ترَاهُ ودَعْ شَيْئا سمِعتَ بِهِ ... )
وَمِنْهَا
(لعلّ عَتْبَكَ محمودٌ عَوَاقبُه ... )
وَمِنْهَا
(وَإِذا الشَّيخ قَالَ أفّ فَمَا ملّ حَيَاة ... )
وَمِنْهَا
(آلَةُ العَيْشِ صحَّةٌ وشَبابُ ... )
وفيهَا
(أبَداً تسترِدّ مَا تهب الدُّنْيا ... )
وَمِنْهَا
(وَما الدَّهْرُ أهلٌ أَن تُؤمِّل عندَهُ ... )
وَمِنْهَا
(إِذا مَا النَّاس جرّبهم لَبِيبُ ... )
ومنها
ومنها
ومن ها ذا الأستاذ لا زلنا في عجبٍ وفي تعبِ.
التسميات: أدب، شعر, مقالات, نقد أدبي، أدب عربي، استعراض،

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية