العدوية.. أسطورة الأدب والخيال
مكثت يوماً وليلة عند رابعة نتحدث عن أسرار الحق حتى نسينا أنني رجل وأنها امرأة، وحين خرجت من عندها وجدتني فقير وهي غنية-
الحسن البصري- وفقاً لرواية فريد الدين العطار.
الحسن البصري- وفقاً لرواية فريد الدين العطار.
———-
الأسطورة في لسان العرب هي ما كتبه الأولون السابقون، أي سطروه في كتبهم، وجمعها أساطير.
وهي في ذلك قد تكون حقيقة وقد تكون خيالا.
والأسطورة أيضاً الخرافة والباطل من القول والحديث الذي لا نظام له.
وللعدوية ذكر في كتب قديمة، ولها سطور مسطورة وأساطير مروية.
ولها كذلك أساطير خرافية وأحاديث شعبية ومرويات قولية شفاهية باطلة.
وأول ذكر لها، في ما وصلنا من كتب، عند الجاحظ في (البيان والتبيين) و (الحيوان) .
وما بين الجاحظ ورابعة قرن تقريبا، وبينه وأول من أرخ لها من بعده زهاء القرنين!
وحتى الجاحظ ينسبها فيقول (القيسية).
ويمكنكم أن تطمئنوا إلى أن معظم ما وردكم عنها منحول مختلق.. وغير مذكور في كتاب قد سبق، بل بلغ من إدخال المرويات الشفهية في العصور المتأخرة أن نسبوا لها أشعار أبي فراس الحمداني و الأستاذ!
فجعلوا بيتي الأول لها حين يقول:
فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ
وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ
وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ
كما نسبوا لها بيت الأستاذ بتبديل كلمة (المال) والذي يقول:
إذا نلت منك الود فالمال هين
وكل الذي فوق التراب تراب
وهذا خطأ بين لا يحتاج لتوضيح مكمنه، ومثل هذا كثير في عصرنا الحديث حيث ينسب الناس لمتأخر قول متقدم أو العكس. وأنت إن سألت معظم أهل السودان عن قائل الأبيات التي مطلعها:
إن حظي كدقيق الخ..
لأجابوك بلا تردد (ادريس جماع) وهذا خطأ كبير، من وجهين.. أولهما ان الأبيات للشاعر المصري عبد الحميد الديب، وثانيهما ان بها ركاكة يعف عنها جماع.
ولكن ووفقاً لطرائق الترجمة المعتمدة في العصور السابقة فإن لرابعة ذكر في كتب المتصوفة وغير المتصوفة.. فكما ذكرها الغزالي في احياء علوم الدين، والسهروردي والشعراني وغيرهم من المتصوفة؛ كذلك ذكرها ابن كثير والذهبي وابن الجوزي.. والأول تلميذ لابن تيمية.
ولا أنصحكم بأن تتوجهوا لويكبيديا العربية فإن ما بها من حق لا يكاد يذكر. أما الشق الإنكليزي فهو كالعادة أكثر منهجية في تناول موضوعها.
ومتى توفيت رابعة؟! لا أحد يجزم فبعضهم يقول سنة 135هـ، وبعضهم يقول بل سنة 185هـ!
ولا أنصحكم بمشاهدة فيلمها السينمائي المصري لغرض غير المتعة- ان كانت تمتعك الأفلام المصرية- فليس فيه من حقيقة مؤكدة بل خيال روائي. ولقد علمت مؤخراً عن فيلمين تركيين أُنتجا في العام 1973م ولكني لم أشاهدهما بعد.
وحتى من كتب عنها من المحدثين تضاربت أفكارهم حولها، فالدكتور عبد الرحمن البدوي مثلاً قد أصدر كتاباً اسمه: شهيدة العشق الإلهى رابعة العدوية" كانت طبعته الثانية في العام 1962م. ومنهج الرجل في الكتاب متخبط؛ فهو تارة يُنكر ويتشكك في كل ما يتصل برابعة من أخبار، وتارة أخرى نجده يحلل شخصيتها نفسياً! ومن وحي أخبار تشكك هو في صحتها أصلاً!
كما أنه ليس صاحب معرفة بمنهج المتصوفة في الخطاب والأدب لهذا فإن كتابه لا يفرق عن الفيلم المصري في شيء بل لعله كان من مراجع الفيلم...الا أن لكتابه ميزة، فهو أول كتاب عربي حديث ينقب في سيرة رابعة ويتتبعها.
أما الكاتب يوسف زيدان فإنه يقول، إن قصة رابعة العدوية الحقيقية ليست التي جسدتها الفنانة نبيلة عبيد، في أحد الأفلام الشهيرة، لافتا إلى أنها «ست فاضلة عاشت 80 سنة منهم 70 سنة منقطعة للعبادة»!
التعجب من عندي.
وأضاف «زيدان» في برنامج «كل يوم» المذاع على قناة «أون إي»، أن سيدها اعتقها وعمرها 11 عاما بسبب نحافتها من فرط العبادة وذهبت للبصرة للحياة مع الزاهدين.
وأوضح، أن رابعة العدوية لم تكن راقصة في أول حياتها، لافتا إلى أن اعتقادنا الحالي يرجع إلى خطأ الدكتور عبدالرحمن بدوي بسبب تأويل جملة وردت في كتاب لفريد الدين العطار.
ولا أدري من أين يأتي كثير من الكتاب في مصر بمثل هذه الشجاعة المتهورة في الحديث عن التاريخ! ولا أدري أيضاً كيف تسول لهم أنفسهم الحديث عن القصص المروية والشفاهية وكأنها حقائق لا يأتيها الباطل من أي ناحية!
إن نقد زيدان لكتاب البدوي وللفيلم صحيح،
فكما أسلفنا فإن الكتاب يمتلئ بالتناقض وغياب المنهج والجهل بالتصوف، ومن الطبيعي أن يخطئ في فهم عبارة للعطار أو لغيره.. وعلى العموم فليس العطار من المؤرخين المعاصرين لرابعة بل هو من المتأخرين بزهاء خمسة قرون! ولكن زيدان تورط في ذات الخطأ حيث قرر أمراً وكأنه حقيقة! فقوله بانقطاع رابعة للعبادة وهي في العاشرة من عمرها قول غريب جداً ولا تسنده كتب تاريخية حتى! اللهم إلا مرويات كتبت ونُقلت بعد دهر دهير من وفاتها المتأخرة على أفضل الفرضين.
ولا يعرف للعدوية نسبة معتمدة، فهي جارية وحرة، ويتيمة منذ الصغر ولها روايات مع أبيها! وعدوية وقيسية ومولاة آل عتيق!
وحتى فلسفتها لا تتضح بصورة جلية، فهي تقول بالحب المطلق الذي لا يخاف النار ولا يطمع في الجنة، ثم، ومع ذلك، لها روايات وعظية عن تركها للدنيا مخافة البعث والقيامة والحشر والنار!
أما ما يزيد التقصي صعوبة وجود رابعة بنت اسماعيل أخرى، ويقال أنها أيضاً عدوية، وهي متصوفة أيضا ومن الزهاد ولها قصص مع ذي النون المصري!
وعموماً فإن شخصية رابعة العدوية تحتاج لبحث تاريخي جاد يضاف إلى البحوث العربية القليلة جداً التي كتبت عنها، ولا بد الإشارة هنا إلى كتاب الأستاذة سهام خضر (رابعة العدوية بين الأسطورة والحقيقة).
وأنا لا تطيب نفسي لنسبة معظم ما قرأت (وهو عموماً قليل)من شعر رابعة لها! بل لا أتصور نسبته للقرن الثاني الهجري كله ولا الثالث حتى!
فأنت حين تطالع شعراء تلك الفترة من أمثال الفرزدق وجرير والأخطل وبشار، والشاعرات كلهن في القرن الثاني والأول، تجد لغة مختلفة عن لغة المفردات البسيطة التي تنسب لرابعة، فلغتها لا تشبه قوة العربية في تلك الحقبة القديمة، كما أن الشعر نفسه ليس فيه من بلاغة النظم العربي في تلك الفترة ولا التزام بقواعده..
فأشهر قصيدة لرابعة:
أحبك حبين الخ..
لا يتصور أي مهتم بالشعر العربي أن يصدر مثل هذا الكلام عن شاعرة عربية في صدر الاسلام!
انظروا يا رعاكم الله إلى تكرار الجذر في البيت بصورة لا ضرورة فيها
(أحبك، حبين، حب، حباً)!
ثم وكأن وعاء اللغة قد ضاق فتجد ذات الجذر يعاودك في البيت التالي:
( فأما الذي هو "حب" الهوى "فحب" شغلت به عمن سواك)
ثم ان هذا التكرار المريب للكلمات يكتنف معظم الأبيات المنسوبة لها.. فتجدون مثلاً:
حبيبي ليس يعدله حبيب ولا لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن بصري وسمعي ولكن في فؤادي ما يغيب
ومرة أخرى:
يا حبيب القلب ما لي سواك فارحم اليوم مذنبا قد أتاك
يا رجائي وراحتي وسروري قد أبى القلب أن يحب سواك
وثالثة:
إني جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
ورابعة:
وتخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا
فإذا ما نطقت كنت حديثي وإذا ما سكت كنت الخليلا
وهكذا وهكذا..
هذا بالإضافة إلى الإنتحالين المشهورين اللذين ذكرناهما عن أبي فراس والأستاذ!
لكل ذلك أجدني لا أطمئن لنسبة معظم ما قيل لها وان أعجبني ما نسب لها من قول في البيت في المثال الرابع المذكور أعلاه.
ولعل إيراد كثير من المتصوفة للأشعار المنسوبة لها يرجع إلى أن عصرهم قد كان يقبل مثل هذه الأبيات، وكانت موافقة لما عرفوه عن رابعة.
ولكن اذا قارنا تلك الأشعار ببعض الشاعرات من عصرها مثل الشاعرة العيون بنت مسعود التي تقول:
خليلي قوما فارفعا الطرف وانظرا ... لصاحب شوقٍ منظراً متراخيا
عسى أن نرى والله ما شاء فاعل ... بأكثبة الدهنا من الحي باديا
وان حال عرض الرمل والبعد دونهم ... فقد يطلب الإنسان ما ليس رائيا
يرى الله أن القلب أضحى ضميره ... لما قابل الروحاء والعرج قاليا
فأنت تعرف فوراً أن هذا الشعر يشبه عصره، ولأنك تحتاج بلا شك لمعجم عربي وشروح للبيت فالمفردات نفسها مفردات ذلك العصر ومن روحه.
وتقول ليلى الشيبانية (ت200 هـ) أي بعد وفاة رابعة بربع قرن تقريباً:
ألا قاتل الله الجثا كيف أضمرت فتى كان للمعروف غير عيوف
فإلا تجبني دمنة هي دونه فقد طال تسليمي وطال وقوفي
وقد علمت أن لا ضعيفاً تضمنت إذا عظم المرزى ولا ابن ضعيف
وما يقال عن شعر رابعة يصدق في معظم الشعر المنسوب لفاطمة بنت محمد النبي، وبنت عقيل بن أبي طالب، ومعظم ما نسب للشافعي وغيرهم من أئمة وقادة روحيين.
إلا أن كل هذا الانتحال والنسبة والاختلاق يدل على عظمة شخصية رابعة وتأثيرها الكبير في محيطها، وهو يدل على مكانة بارزة لها بين رموز عصرها من علماء روحيين وفقهاء ووعاظ..
كما تعتبر من مؤسسي التصوف الإسلامي فعصرها قريب من عصر النبوة وأقرب لعصر الفتن والفواجع.
وهي مخضرمة حيث عاشت فترتين (أموية وعباسية) ولا شك بأنها قد عمرت بخلاف عادة العصور السابقة وخصوصاً النساء.
خاتمة:
وددت أن أتناول جانباً من الدراسات النسوية الغربية حول رابعة العدوية، وهو جانب مهم وشيق، ولكن هذه الكتابة قد طالت، وحسبكم أن تطالعوا ما كُتب بأنفسكم، فلا طاقة لي بمثل هذه الكتابة الوعرة التي تحتاج لشجاعة وانفتاح ذهن قل أن تتوفرا لرجل.
تنبيه:
في الصور المرفقة جزء من مقولات وقصص ل او عن رابعة من كتاب (تذكرة الأولياء) للعطار.. والكتاب أصله فارسي، وأول ترجمة له تمت من الفرنسية، ثم تمت ترجمته مباشرة من الفارسية وكلا النقلين فقيرين لُغوياً.. وإنها لحق جريمة ثقافية أن يترجم الأدب والتراث الفارسي من لغات أوروبية ولا نُعنى نحن -من تربطنا بالفرس أقوى الصلات التاريخية- بالنقل والترجمة!
التسميات: أدب، شعر, تصوف،, نقد أدبي، أدب عربي،

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية