وما حب الديار!!
قمين بأمة تريد النهوض أن تهتم برموزها من
شعراء وأدباء وناثرين وقصاص ومفكرين وسياسيين.. والشعر –ديوان العرب- أولى الفنون
بالعناية والرعاية، والشعراء- أصحاب الديوان- أكثر الرموز حاجة للنظر والعناية،
لأنه المعبر الأول عن ثقافة الأمة، ولأنهم يقيدون لحظات ابداع لا يقيضها الله
لكثيرين فيصفون وينقلون الأفكار والأحاسيس من قيد الابهام الى اطلاقا التعبير.
في السودان-بلدي ودياري- شعراء يجهلهم غير
الباحث ، ولا يلم بهم إلا من انتهج النقد الأدبي حرفة، ولكنهم برعوا في حقلهم وما
غادرت شهرتهم "متردم" النيل و"هدّامه"..
كنت وأنا كطالب في المدرسة الوسطى أرى بيتا –خلته
للمتنبي- يزين جدران المدرسة، وكان يقبع في جدران أغلب مدارسنا في السودان.. بيت
بليغ جميل يقول:
وعلموا النشء علما يستبين به سبل الحياة وقبل العلم أخلاقا
أقول.. كن أظنه للمتنبي حتى قادتنا خطانا الى
المدارس الثانوية فقرر علينا الأدب السوداني وعلمنا من هو الشاعر الفذ (محمد سعيد
العباسي).. وقصيدته بعنوان (يوم التعليم) يحث فيها الناس للتبرع بمالهم ليبنوا
مدارس بلادهم:
أقسمتُ لـو كـان لـي مـالٌ لكـنـت بــــــه.
للصـالـحـاتِ وفعـلِ الخـير سبّاقـــــــــا
ولا رضـيـتُ لكـم بـالغـيْثِ
مـنهـمــــــرًا. مـنِّي ولا النـيلِ دفّاعًا ودفّاقـــــــــــا
لله دره من شاعر، لله دره.. تشرب بحب السودان
وحب مصر، فعاش يحن لتلك ويتمرغ في تراب هذا حتى وافته المنية، ولشد ما أعجبت بقوله
في مصر:
والناسُ فيكِ اثنان شخصٌ قد رأى حُسْناً فهام
به، وآخرُ لا يرى
![]() |
| العباسي (أعلى اليمين) مع أخوته والشيخ محمد شريف نوردادائم |
![]() |
| الشاعر السوداني محمد سعيد العباسي |
ومثل صاحبه كان شاعرنا محمد عمر البنا الذي صاغ
ابياتا في خواتيم القرن التاسع عشر ظننت في ريعان صباي أنها لحسان بن ثابت، كانت
أبياته تردد في بلادي لأسباب عدة ولأوهام عدة، ولكني كنت أعجب لبلاغتها وأخاف منها
لأن تستخدم في غير محلها، صدح البنا في حربه ضد الأتراك:
الحرب صدق واللقاء ثبات والموت في شأن الإله
حياة
الجبن عار والشجاعة هيبة للمرء ما اقترنت به
العزمات
لله دره من شاعر صاحب قضية (أختلفنا أو
اتفقنا معها) لا ننكر أخلاصه لها.
وأمثالهما (العباسي والبنا) كثر في بلادي وهناك من هو (أجود) منهما سواء في نظم العامية أو العربية، هناك (الحاردلو) والذي ينسب للعقاد قوله عنه: لو كان يكتب بالفصحى لفاق المتنبي.
وليس من باب حب من سكن الديار، ولا من باب كل فتاة بأبيها معجبة، ولكن من باب الصدق فإني أقول بأن الشعر السوداني وشعراء السودان قد ظلموا مرتين، ظلموا من أهلهم حين نبذوا شعرهم وأدبهم، وظلموا من أخوتهم حين نأوا عنهم ولم يأبهوا بهم.. وأخشى ما أخشاه أن نكون (لأنفسنا ظالمين).
وأمثالهما (العباسي والبنا) كثر في بلادي وهناك من هو (أجود) منهما سواء في نظم العامية أو العربية، هناك (الحاردلو) والذي ينسب للعقاد قوله عنه: لو كان يكتب بالفصحى لفاق المتنبي.
وليس من باب حب من سكن الديار، ولا من باب كل فتاة بأبيها معجبة، ولكن من باب الصدق فإني أقول بأن الشعر السوداني وشعراء السودان قد ظلموا مرتين، ظلموا من أهلهم حين نبذوا شعرهم وأدبهم، وظلموا من أخوتهم حين نأوا عنهم ولم يأبهوا بهم.. وأخشى ما أخشاه أن نكون (لأنفسنا ظالمين).
-----------------------
نشر بصحيفة البيان
http://www.albayan.ae/opinions/last-round/2013-09-10-1.1956874
التسميات: فكر، أدب، سيرة ذاتية، نقد، بيوغرفي


