مقدمة في التاريخ السياسي الحديث للسودان
بطلب من أصدقاء شباب أقدم هذه المقالات المختصرة- أرجو ألا يكون مخلاً- عن التاريخ السياسي الحديث للسودان
------------------------------------------------------
الجزء الأول: من 1938- 1956
يعتبر مؤتمر الخريجين (1938) أول كيان سياسي سوداني منظم في
العصر الحديث، ونشأ في ظل الاحتلال الثنائي (الإنكليزي/ المصري) للسودان.
بدأت قبل ذلك حركات سياسية ولكنها نحت تجاه العسكرة من جانب،
كما أنها ارتبطت برباط خارجي متمثل في انحيازها لدولة احتلال (مصر)، فلم تجد
قبولاً من كل الأطراف السودانية، بخلاف المؤتمر، الذي ضم في ثناياه أطيافاً عدة وتيارات شتى.
واختلفت الآراء حول كيفية نشوء المؤتمر.. أصحاب نزعة قومية
شددوا على أن المؤتمر فكرة وعمل سوداني بحت، نبع من الخريجين وحدهم وبمجهود الرواد
منهم. ولكن بعض الاكاديميين يرجعون نشوء المؤتمر إلى تحالف ودعم بريطاني، خصوصاً
من قبل (السير استيوارت سايمز) حاكم عام السودان آنذاك (1934-1941).
على كل حال، فإن المؤتمر نشأ من أندية الخريجين التي سبقته وانتشرت في مدن السودان، بيد أن الحكومة البريطانية ممثلة في السكرتير الإداري أصدرت مرسوماً بعدم التصدي للخريجين.
وتكون المجلس الستيني للمؤتمر في 1938 برئاسة إبراهيم أحمد وسكرتارية إسماعيل الأزهري، وخاطب المجلس الحكومة البريطانية، مخطراً إياها بنشوء المؤتمر.
على كل حال، فإن المؤتمر نشأ من أندية الخريجين التي سبقته وانتشرت في مدن السودان، بيد أن الحكومة البريطانية ممثلة في السكرتير الإداري أصدرت مرسوماً بعدم التصدي للخريجين.
وتكون المجلس الستيني للمؤتمر في 1938 برئاسة إبراهيم أحمد وسكرتارية إسماعيل الأزهري، وخاطب المجلس الحكومة البريطانية، مخطراً إياها بنشوء المؤتمر.
نشأ المؤتمر موحداً للخريجين في قالب جامع، ولكنه حمل أيضاً
انقساماتهم ونزعاتهم السياسية، ففصيل يرى في مصر نجاته، وآخر يتخوف من الأطماع
المصرية فيرى في الإنكليز نجاته.
أما صراع الخريجين أنفسهم فبدأ مع نواديهم في العام 1932، ثم
تحول إلى المؤتمر، ثم انتقل إلى أحزابهم السياسية التي صنعوها فيما بعد.
واستهل المؤتمر عمله السياسي المباشر بمذكرته للحاكم العام في
3 أبريل 1942م والتي طالب فيها منح حق تقرير المصير للسودانيين عقب الحرب العالمية
مباشرة.
السير دوغالس
نيوبولد، الذي أتى خلفاً ل(سايمز) حاكماً عاماً للسودان، رفض المذكرة المقدمة من
المؤتمر، واعتبر أن المؤتمر تجاوز الحدود المفروضة على نشأته، ودوره المناط به،
وقال في مذكرة للسكرتارية إن المؤتمر لا يمثل السودانيين، ولا يحق للأعضاء فيه
الحديث باسم الشعب السوداني، وأن من يمثل السودان هم زعماء القبائل وشيوخ الطرق
الصوفية والجماعات الدينية.
واستمر تبادل المذكرات بين الطرفين، وازدادت النبرة حدة مع كل مذكرة، ونشأ الخلاف بين الخريجين حول طريقة التعامل مع الحكومة الإنكليزية.. فصيل رأى ضرورة استمرار الحوار وتهدئة الأمور خصوصاً مع الوضع العام العالمي الذي كان يشهد حرباً عالمية، فصيل ثانٍ رأى ضرورة التصعيد مع بريطانيا، ولم ينجح هذا الفصيل في مسعاه إلا بعد فوز إسماعيل الأزهري وخسارة إبراهيم أحمد في انتخابات 1943م.
واستمر تبادل المذكرات بين الطرفين، وازدادت النبرة حدة مع كل مذكرة، ونشأ الخلاف بين الخريجين حول طريقة التعامل مع الحكومة الإنكليزية.. فصيل رأى ضرورة استمرار الحوار وتهدئة الأمور خصوصاً مع الوضع العام العالمي الذي كان يشهد حرباً عالمية، فصيل ثانٍ رأى ضرورة التصعيد مع بريطانيا، ولم ينجح هذا الفصيل في مسعاه إلا بعد فوز إسماعيل الأزهري وخسارة إبراهيم أحمد في انتخابات 1943م.
زعماء
الطوائف والقبائل والعشائر- من أسماهم الاستعمار "ممثلي الشعب"- كان لهم
قول أيضاً.. فهم في غمار هذه الأحداث مرتابين من الخريجين، ومن نبرتهم
وخطاباتهم، ومحاولاتهم سحب البساط من تحت أقدامهم، فتوجهوا نحو تكوين مجلس يضمهم
بمساعدة الحكومة الإنكليزية التي بدأت تشاركهم الخوف من المؤتمر، فكان انشاء
المجلس الاستشاري لشمال السودان في 1944م، الذي رفضه المؤتمر رفضاً قاطعاً، بل هدد
بفصل كل من ينضم إليه.. من هنا بدأت نهاية المؤتمر، وبداية تكوين الأحزاب
السياسية، فالفصيل الذي يرتاب في المصريين كان نواة لإنشاء حزب الأمة لاحقاً،
والذي ينادي باستقلال السودان تحت التاج البريطاني. أما الفصيل الثاني فكان نواة فيما
بعد لحزب الأشقاء (أحد الأحزاب الاتحادية) والذي نادى باستقلال السودان تحت التاج
المصري "وحدة وادي النيل".
هذه الفترة تعد نموذجاً لغياب المذهبية السياسية في السودان، كان أول من
لاحظ هذا الأمر هو الحزب الجمهوري الذي نشأ في 1945، لهذا أخرج كتيباً في نقد
الحركة السياسية السودانية في تلك الفترة، أسماه (السفر الأول) معلناً به ميلاد
الحزب الجمهوري، أول حزب يدعو لإقامة "جمهورية" سودانية، ديمقراطية،
فدرالية مستقلة.. الأمر الذي كان موضع استهجان كل الفرقاء والأحزاب، ولكنه- فيما بعد- صار مطلبهم جميعا.. حتى الأحزاب الاتحادية نفسها.
أقر الحزب الجمهوري بالدور الكبير الذي لعبه مؤتمر الخريجين، حين "دعا إلى إصلاحات جمة، فأصاب كثيراً من النجاح، ووفق، بوجه خاص،
في يوم التعليم.. فقد جمع الأموال، وأفتتح المدارس في شتي أنحاء القطر، أو، إن
أردت الدقة، ساعد العاملين من أبناء مدن القطر على إنشاء المدارس الوسطى التي
أرادوها.. ثم أن المؤتمر كان له رأي ونشاط في الميدان الاقتصادي وفي إصلاح القرية،
وإصلاح الفرد، ومحاربة الأمية، وتحسين الصحة العامة، إلى آخر ما إلى ذلك.. مما جعل
المؤتمر مرجواً".
كما أخذ الكثير أيضاً على المؤتمر وعلى الحركة السياسية في تلك الفترة،
ومنها "لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم الأهلي على
هدى سياسة تعليمية منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها، في المستقبل القريب والبعيد؟
ولماذا لم يعن المؤتمر بمناهج الدراسة كما عنى بإنشاء المدارس؟ ولماذا عندما ولدت
الحركة السياسية في المؤتمر، اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات
ولم تتجه إلى الشعب، تجمعه، وتنيره، وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب
أولاً، ثم جاءت مبادؤها أخيراً؟؟ ولماذا جاءت هذه المبادئ، حين جاءت مختلفة في
الوسائل مختلفة في الغايات؟؟ ولماذا يحدث تحور، وتطور، في مبادئ بعض هذه الأحزاب،
بكل هذه السرعة؟ ثم لماذا تقبل هذه الأحزاب المساومة، في مبادئها؟"
نواصل

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية