الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

بين الثورة والانقلاب والهرتلة



منذ العام ٢٠٠٦، وأنا أنتوي أن أكتب عن (الانقلابات العسكرية في السودان) من زاوية (الاسباب والمحصلة). 
وكنت كل ما بدأت في مسودة الكتاب أتراجع عن ذلك لمشاغل عدة.. وكانت فكرتي بسيطة، خلاصتها أن كل الانقلابات العسكرية في السودان أتت لأسباب محددة مطروحة في العلن ثم أنها وقبل أن تصل نهايتها بقليل كانت هي من تنقلب على أهدافها وتتراجع عنها وتخونها في نهاية الأمر. وهذه المحصلة تجدها في كل انقلاب عسكري منذ الاستقلال وحتى عصر أمير المؤمنين والمنافقين الحالي.
ولكي تضح لكم فكرتي جيداً سأذكر نماذج سريعة لكل عهد عسكري..
  • كان السبب المعلن لتسليم رئيس الوزراء عبدالله خليل زمام السلطة للفريق عبود هو الحفاظ على تراب الوطن، ووفقاً لأقوال الفريق عبود المنقولة لدى التحقيق الجنائي عقب اكتوبر ١٩٦٤، فإن فصيل سوداني كان في الحكومة الائتلافية ذهب إلى مصر واستقوى بها على حساب فصيل اخر لتعينه للوصول إلى السلطة، بل اعترف باتفاقية ١٩٢٩ سيئة الذكر التي الغتها حكومة السودان.. هذا بالاضافة للتهديد المصري في حلايب وقتها.
ولكن حكومة عبود نفسها قد فعلت أسوأ من الاعتراف باتفاقية ١٩٢٩ والتي تعطي السودان نصيباً مجحفاً من المياه، واسوأ من التفريط في مثلث حدودي، وذلك بابرامها اتفاقية جديدة أغرقت عروس الشمال حلفا! وجميع الأراضي السودانية شمالاً وذلك حتى تتمكن مصر من بناء السد العالي!
وتم تهجير الالاف من قراهم في السودان ومصر!
كل هذا حدث في عهد عبود وقبل ثورة اكتوبر.

  • وبعد ثورة اكتوبر وبعد انتخاباتها تم حل الحزب الشيوعي في سابقة خطيرة أدخلت البلاد في أزمة دستورية، ثم حاولت الاحزاب اليمينية والطائفية تمرير مشروع الدستور الاسلامي عبر البرلمان إلا أنه سقط، وفي تمادٍ رهيب قررت هذه الأحزاب أن تطرح الدستور لاستفتاء شعبي متجاوزة البرلمان، وفي هذا الجو حدث انقلاب مايو ١٩٦٩ ليقطع الطريق امام الدستور الاسلامي والتغول على الدستور!
هذا الانقلاب وهذا النظام هو نفسه من سيعلن القوانين الاسلامية بعد ١٤ عاماً وسينقلب على الدستور ويلغي اتفاقية أديس أبابا.

  • وحين انقلب جماعة الاخوان المسلمين على حكومة الصادق، كانت شعاراتهم وأسبابهم المعلنة هي الحفاظ على وحدة البلاد وعلى جنوبه تحديداً الذي يبشر بالانفصال، والسيطرة على التدهور الاقتصادي المريع (كان الدولار وقتها ب١٢ جنيها سودانياً) واقامة شرع الله!
ولكن هذا النظام هو نفسه من سمح ولأول مرة باستفتاء حول مصير الجنوب والذي كان سبباً في انفصال جنوب السودان، وهو من شهدت في عصره العملة السودانية اسوأ تدهور لها حيث وصل سعر الدولار وحتى كتابة هذا المقال ٦٠٠٠٠ ألف جنيه! أما اقامة شرع الله فقد شهد زعيمهم الترابي بأنهم فشلوا في ذلك فشلاً مريعاً!


هذا ملخص لفكرة كتابة مطولة سنعود لها في وقتها لو مُد في العمر.. 
ولكن ما أود التنبيه له هو أن الانقلابات العسكرية في كل مكان من رقعتنا كانت دوماً تعود إلى المربع الأول.. 
فانقلاب الضباط الأحرار في مصر مثلاً جاء لالغاء الملكية وسن قوانين اشتراكية، ولكن وبعد وفاة عبد الناصر تراجع خلفه السادات عن القوانين الاشتراكية، وكاد خلف السادات أن يرجع بالبلاد إلى الملكية، ولم يتبق من نظام الضباط الاحرار حتى صورة اللحم والدم!

وفي تركيا، أدت الاصلاحات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية التي انتهجها السلطان عبد الحميد لبروز كمال أتاتورك وصحابه وتسلمهم لمناصب عالية، وحاولوا عبر انقلابهم تسريع عجلة التاريخ والذهاب بتركيا لتصبح دولة حديثة بالنموذج الأوروبي (علمانية لبرالية) وتطرف النظام في علمانيته ولم يستطع ان يجاري أوروبا في لبراليتها ثم هو نفس النظام الذي يتربع اليوم في قمته أخ مسلم في ثوب علماني زائف يكاد أن يرجع عهد الخلافة!

ومن المضحكات أن كل هؤلاء، في السودان ومصر، قد أسموا انقلاباتهم ثورات! (ثورة نوفمبر وثورة مايو وثورة الانقاذ وثورة يوليو)
ثورات لم ترق فيها قطرة دم لأنها قد تمت من نفس الأناس المناط بهم حماية البلاد من الانقلابات! ولانها حدثت بمباركة حزب او حزبين كبيرين! ولانها حدثت ببساطة ودون امتلاك مذهبية او خطة! فأي ثورات في العالم قامت هكذا!
الثورة فعل يراد به التغيير، والتغيير عملية تصاحبها جهد ومقاومة، والجهد المبذول في أي فعل يتحدد بالمقاومة المبذولة، فلا يُعقل مثلاً أن تنتزع شيئاً من يد طفل صغير بنفس الجهد الذي ستبذله لانتزاع نفس الشيء من شخص بالغ مفتول العضلات!
ولأن التغيير الثوري غالباً ما يتهدد طبقات كاملة بالفناء لذا فإن مقاومتها لجهد التغيير سيصاحبها عنف عنيف، فهي معركة بقاء أو فناء بالنسبة لتلك الطبقة..
ولهذا فإن التغيير الثوري (الواعي) يحترز من مثل ذلك العنف بالاعداد السليم لعنف مواز.. ولأن مقدرات الثوار المادية (غالباً) أضعف من مقدارت الطبقة الحاكمة لذا يجب عليهم أن يلجأوا لأساليب مبتكرة لتقلل من العنف ما استطاعت.. وكمثال لذلك نجد أن الإيرلنديين قد ابتكروا أساليب عنيفة تضر بمصالح الحكام ولكنها تقلل من محيط العنف.. وهنالك نماذج كثيرة لهذا المثال في أكثر من دولة..


أما الهرتلة، فهي ما تفعله المعارضة السودانية والمعارضون اليوم.

التسميات: ,