مقدمة في التاريخ السياسي الحديث للسودان (2)
بطلب من أصدقاء شباب أقدم هذه
المقالات المختصرة- أرجو ألا يكون مخلاً- عن التاريخ السياسي الحديث للسودان
------------------------------------------------------------------
الجزء الأول: من 1938- 1956
حالة السودان (في
الاستعمار) فريدة بعض الشيء، يقول في ذلك الدكتور منصور خالد:
"الحالة التي اختُص بها السودان دون سائر البلدان المستعمرة كانت هي الاستعمار الثنائي، الإنكليزي المصري.. نتيجة هذا الوضع الخاص ظهرت في الانقسام الذي حدث بين السودانيين في سعيهم نحو استقلالهم، الصورة التي لم تعهدها أي حركة تحرير وطني في العالم".
كما ان الحركة الوطنية سلكت مسلكاً عجيباً في
بداية عملها السياسي، فهي لم تواجه الاستعمار شأن كل حركات التحرر، بل أخذت تتبادل
مع المذكرات والرسائل في سرية تامة.
ولعل السبب الرئيس الذي جعل الحركة الوطنية تسلك
ذلك المسلك، بحيث توجه دورها النضالي تجاه المذكرات والخطابات للحكومة بدلاً عن
الشعب، وتتوسل الحكومة لكي تحقق مطالبها، يرجع الى أن الحركة الوطنية نفسها أنشأها
الإنكليز! يقول دوقلاس نيوبولد السكرتير الإداري للسودان، وفقاً للأستاذ
العلامة فيصل عبدالرحمن علي طه، إنه شرع منذ فبراير 1942 في دراسة وصياغة مقترحات
بشأن إشراك السودانيين في الحكومتين المحلية والمركزية غير أن بعض العوامل تدخلت
لتوقف عمله. وقد كان من بين هذه العوامل المذكرة التي رفعها المؤتمر للحاكم العام
في 3أبريل 1942.
وفي
10سبتمبر 1942 تقدم نيوبولد بمذكرة إلى مجلس الحاكم العام بشأن إشراك السودانيين
في الحكم. وتضمنت المذكرة عددا من التوصيات كان من بينها ما يلي:
1-
إنشاء مجلس استشاري
لشمال السودان.
2-
التوسع في انشاء مجالس
مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي.
3-
انشاء مجالس مديريات
استشارية.
4-
التوسع في استخدام
السودانيين في الحكومة المركزية ولجان المديريات.
5-
تسريع احلال السودانيين
محل البريطانيين.
وأجاز
مجلس الحاكم العام تلك التوصيات باعتبارها خطوات نحو الحكم الذاتي وانتقالا من
سياسة الوصاية الى سياسة المشاركة.
نشهدُ
خلافاً حسب الوثائق التي بحوزتنا حول أول حزب سوداني، الأستاذ فيصل عبدالرحمن علي
طه يرى أنه حزب الأمة المؤرخ له بـ31مارس 1945، بينما وثائق الأستاذ محمد سعيد
القدال تشير إلى أن الاتحاديين الذين تكونوا من جماعة "الأبروفيين[1] أعلنوا قيام حزبهم في اجتماعهم التأسيسي
في اكتوبر1944، وكان قبلهم حزب الأشقاء.
على أي حال، في العام 1945 اتفقت الأحزاب
الثلاثة على مشروع تقدم به الاتحاديون ينص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية في
اتحاد مع مصر تحت التاج البريطاني.
بعد
شهور قليلة من هذه الوثيقة، نشأ الحزب الجمهوري، وتحديداً في يوم الجمعة 26 أكتوبر
1945، واقترح التسمية الأستاذ أمين مصطفى التّنى، في إشارة إلى مطالبتهم بقيام
جمهورية سودانية مستقلة عن دولتي الحكم الثنائي، واختير الأستاذ محمود محمد طه
رئيساً للحزب، وعبد القادر المرضى سكرتيراً له.
وبعد
أسابيع قليلة من نشأته أوضح موقفه من المؤتمر والأحزاب والوثيقة.. فأما الأخيرة
فرفضها، خصوصاً وأنها تنص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر
وتحالف مع بريطانيا!
وفي
معرض تعليقه على هذا البند قال الحزب الجمهوري:
"إننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة بأن ندفع ثمن الحرية اتحادا مع هذه أو محالفة مع تلك".
وأما
المؤتمر فقدم نقداً قوياً له، رافضاً طبقيته التعليمية، وطالباً أن يكون مؤتمراً
للسودانيين لا للخريجين، كما نقد سياسته التعليمية نفسها، وجاء في ذلك:
"فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه.فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة، وتنفير النشء من الأرياف، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم."
كما
انتقد الأحزاب وسياسة المهادنة مع الاستعمار وعدم وضوح رؤيتها حول الاستقلال التام،
وتكوين جمهورية سودانية، وخلق دولة سودانية حديثة مستقلة، ثم مواجهة الاستعمار عبر
الكفاح والاعتصام والإضراب، وقال في ذلك:
"وانعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً، هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسيةـ وهي قد ولدت ميتةـ أن يعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج، ويعلن بها الزبائن بعد وصولها، حتى تكون مفاجأة، ودهشة.. ولو أن جميع الأحزاب القائمة الآن استطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري."
ظل
الحزب الجمهوري وحده في الساحة السياسية، منادياً بالجمهورية والنضال ضد الاستعمار
ويتوجه لجماهير السودانيين في الأندية والمقاهي ويوزع المنشورات ويلهب حماسهم.
واستمر
هكذا وحده، حتى العام 1946 حين ظهرت الحركة السودانية لتحرير السودان (حستو) والتي
عرفت في ما بعد بـ (الحزب الشيوعي السوداني).
