الجمعة، 19 أبريل 2019

مقدمة في التاريخ السياسي الحديث للسودان (2)

بطلب من أصدقاء شباب أقدم هذه المقالات المختصرة- أرجو ألا يكون مخلاً- عن التاريخ السياسي الحديث للسودان
------------------------------------------------------------------ 


الجزء الأول: من 1938- 1956

حالة السودان (في الاستعمار) فريدة بعض الشيء، يقول في ذلك الدكتور منصور خالد: 

"الحالة التي اختُص بها السودان دون سائر البلدان المستعمرة كانت هي الاستعمار الثنائي، الإنكليزي المصري.. نتيجة هذا الوضع الخاص ظهرت في الانقسام الذي حدث بين السودانيين في سعيهم نحو استقلالهم، الصورة التي لم تعهدها أي حركة تحرير وطني في العالم".

كما ان الحركة الوطنية سلكت مسلكاً عجيباً في بداية عملها السياسي، فهي لم تواجه الاستعمار شأن كل حركات التحرر، بل أخذت تتبادل مع المذكرات والرسائل في سرية تامة.
ولعل السبب الرئيس الذي جعل الحركة الوطنية تسلك ذلك المسلك، بحيث توجه دورها النضالي تجاه المذكرات والخطابات للحكومة بدلاً عن الشعب، وتتوسل الحكومة لكي تحقق مطالبها، يرجع الى أن الحركة الوطنية نفسها أنشأها الإنكليز! يقول دوقلاس نيوبولد السكرتير الإداري للسودان، وفقاً للأستاذ العلامة فيصل عبدالرحمن علي طه، إنه شرع منذ فبراير 1942 في دراسة وصياغة مقترحات بشأن إشراك السودانيين في الحكومتين المحلية والمركزية غير أن بعض العوامل تدخلت لتوقف عمله. وقد كان من بين هذه العوامل المذكرة التي رفعها المؤتمر للحاكم العام في 3أبريل 1942.
وفي 10سبتمبر 1942 تقدم نيوبولد بمذكرة إلى مجلس الحاكم العام بشأن إشراك السودانيين في الحكم. وتضمنت المذكرة عددا من التوصيات كان من بينها ما يلي:
1-   إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان.
2-   التوسع في انشاء مجالس مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي.
3-   انشاء مجالس مديريات استشارية.
4-   التوسع في استخدام السودانيين في الحكومة المركزية ولجان المديريات.
5-   تسريع احلال السودانيين محل البريطانيين.
وأجاز مجلس الحاكم العام تلك التوصيات باعتبارها خطوات نحو الحكم الذاتي وانتقالا من سياسة الوصاية الى سياسة المشاركة.

نشهدُ خلافاً حسب الوثائق التي بحوزتنا حول أول حزب سوداني، الأستاذ فيصل عبدالرحمن علي طه يرى أنه حزب الأمة المؤرخ له بـ31مارس 1945، بينما وثائق الأستاذ محمد سعيد القدال تشير إلى أن الاتحاديين الذين تكونوا من جماعة "الأبروفيين[1] أعلنوا قيام حزبهم في اجتماعهم التأسيسي في اكتوبر1944، وكان قبلهم حزب الأشقاء.
 على أي حال، في العام 1945 اتفقت الأحزاب الثلاثة على مشروع تقدم به الاتحاديون ينص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج البريطاني.
بعد شهور قليلة من هذه الوثيقة، نشأ الحزب الجمهوري، وتحديداً في يوم الجمعة 26 أكتوبر 1945، واقترح التسمية الأستاذ أمين مصطفى التّنى، في إشارة إلى مطالبتهم بقيام جمهورية سودانية مستقلة عن دولتي الحكم الثنائي، واختير الأستاذ محمود محمد طه رئيساً للحزب، وعبد القادر المرضى سكرتيراً له.
وبعد أسابيع قليلة من نشأته أوضح موقفه من المؤتمر والأحزاب والوثيقة.. فأما الأخيرة فرفضها، خصوصاً وأنها تنص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا!
وفي معرض تعليقه على هذا البند قال الحزب الجمهوري:

"إننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة بأن ندفع ثمن الحرية اتحادا مع هذه أو محالفة مع تلك".

وأما المؤتمر فقدم نقداً قوياً له، رافضاً طبقيته التعليمية، وطالباً أن يكون مؤتمراً للسودانيين لا للخريجين، كما نقد سياسته التعليمية نفسها، وجاء في ذلك:

"فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه.
فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة، وتنفير النشء من الأرياف، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم."

كما انتقد الأحزاب وسياسة المهادنة مع الاستعمار وعدم وضوح رؤيتها حول الاستقلال التام، وتكوين جمهورية سودانية، وخلق دولة سودانية حديثة مستقلة، ثم مواجهة الاستعمار عبر الكفاح والاعتصام والإضراب، وقال في ذلك:

 "وانعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً، هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسيةـ وهي قد ولدت ميتةـ أن يعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج، ويعلن بها الزبائن بعد وصولها، حتى تكون مفاجأة، ودهشة.. ولو أن جميع الأحزاب القائمة الآن استطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري."

ظل الحزب الجمهوري وحده في الساحة السياسية، منادياً بالجمهورية والنضال ضد الاستعمار ويتوجه لجماهير السودانيين في الأندية والمقاهي ويوزع المنشورات ويلهب حماسهم.
واستمر هكذا وحده، حتى العام 1946 حين ظهرت الحركة السودانية لتحرير السودان (حستو) والتي عرفت في ما بعد بـ (الحزب الشيوعي السوداني).






[1] نسبة إلى حي أب روف بأمدرمان

الأربعاء، 17 أبريل 2019

مقدمة في التاريخ السياسي الحديث للسودان

بطلب من أصدقاء شباب أقدم هذه المقالات المختصرة- أرجو ألا يكون مخلاً- عن التاريخ السياسي الحديث للسودان 

------------------------------------------------------

الجزء الأول: من 1938- 1956
يعتبر مؤتمر الخريجين (1938) أول كيان سياسي سوداني منظم في العصر الحديث، ونشأ في ظل الاحتلال الثنائي (الإنكليزي/ المصري) للسودان.
بدأت قبل ذلك حركات سياسية ولكنها نحت تجاه العسكرة من جانب، كما أنها ارتبطت برباط خارجي متمثل في انحيازها لدولة احتلال (مصر)، فلم تجد قبولاً من كل الأطراف السودانية، بخلاف المؤتمر، الذي ضم في ثناياه أطيافاً عدة وتيارات شتى.
واختلفت الآراء حول كيفية نشوء المؤتمر.. أصحاب نزعة قومية شددوا على أن المؤتمر فكرة وعمل سوداني بحت، نبع من الخريجين وحدهم وبمجهود الرواد منهم. ولكن بعض الاكاديميين يرجعون نشوء المؤتمر إلى تحالف ودعم بريطاني، خصوصاً من قبل (السير استيوارت سايمز) حاكم عام السودان آنذاك (1934-1941).
على كل حال، فإن المؤتمر نشأ من أندية الخريجين التي سبقته وانتشرت في مدن السودان، بيد أن الحكومة البريطانية ممثلة في السكرتير الإداري أصدرت مرسوماً بعدم التصدي للخريجين.
وتكون المجلس الستيني للمؤتمر في 1938 برئاسة إبراهيم أحمد وسكرتارية إسماعيل الأزهري، وخاطب المجلس الحكومة البريطانية، مخطراً إياها بنشوء المؤتمر.
نشأ المؤتمر موحداً للخريجين في قالب جامع، ولكنه حمل أيضاً انقساماتهم ونزعاتهم السياسية، ففصيل يرى في مصر نجاته، وآخر يتخوف من الأطماع المصرية فيرى في الإنكليز نجاته.
أما صراع الخريجين أنفسهم فبدأ مع نواديهم في العام 1932، ثم تحول إلى المؤتمر، ثم انتقل إلى أحزابهم السياسية التي صنعوها فيما بعد.
واستهل المؤتمر عمله السياسي المباشر بمذكرته للحاكم العام في 3 أبريل 1942م والتي طالب فيها منح حق تقرير المصير للسودانيين عقب الحرب العالمية مباشرة.
السير دوغالس نيوبولد، الذي أتى خلفاً ل(سايمز) حاكماً عاماً للسودان، رفض المذكرة المقدمة من المؤتمر، واعتبر أن المؤتمر تجاوز الحدود المفروضة على نشأته، ودوره المناط به، وقال في مذكرة للسكرتارية إن المؤتمر لا يمثل السودانيين، ولا يحق للأعضاء فيه الحديث باسم الشعب السوداني، وأن من يمثل السودان هم زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية والجماعات الدينية.
واستمر تبادل المذكرات بين الطرفين، وازدادت النبرة حدة مع كل مذكرة، ونشأ الخلاف بين الخريجين حول طريقة التعامل مع الحكومة الإنكليزية.. فصيل رأى ضرورة استمرار الحوار وتهدئة الأمور خصوصاً مع الوضع العام العالمي الذي كان يشهد حرباً عالمية، فصيل ثانٍ رأى ضرورة التصعيد مع بريطانيا، ولم ينجح هذا الفصيل في مسعاه إلا بعد فوز إسماعيل الأزهري وخسارة إبراهيم أحمد في انتخابات 1943م.
زعماء الطوائف والقبائل والعشائر- من أسماهم الاستعمار "ممثلي الشعب"- كان لهم قول أيضاً.. فهم في غمار هذه الأحداث مرتابين من الخريجين، ومن نبرتهم وخطاباتهم، ومحاولاتهم سحب البساط من تحت أقدامهم، فتوجهوا نحو تكوين مجلس يضمهم بمساعدة الحكومة الإنكليزية التي بدأت تشاركهم الخوف من المؤتمر، فكان انشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان في 1944م، الذي رفضه المؤتمر رفضاً قاطعاً، بل هدد بفصل كل من ينضم إليه.. من هنا بدأت نهاية المؤتمر، وبداية تكوين الأحزاب السياسية، فالفصيل الذي يرتاب في المصريين كان نواة لإنشاء حزب الأمة لاحقاً، والذي ينادي باستقلال السودان تحت التاج البريطاني. أما الفصيل الثاني فكان نواة فيما بعد لحزب الأشقاء (أحد الأحزاب الاتحادية) والذي نادى باستقلال السودان تحت التاج المصري "وحدة وادي النيل".
هذه الفترة تعد نموذجاً لغياب المذهبية السياسية في السودان، كان أول من لاحظ هذا الأمر هو الحزب الجمهوري الذي نشأ في 1945، لهذا أخرج كتيباً في نقد الحركة السياسية السودانية في تلك الفترة، أسماه (السفر الأول) معلناً به ميلاد الحزب الجمهوري، أول حزب يدعو لإقامة "جمهورية" سودانية، ديمقراطية، فدرالية مستقلة.. الأمر الذي كان موضع استهجان كل الفرقاء والأحزاب، ولكنه- فيما بعد- صار مطلبهم جميعا.. حتى الأحزاب الاتحادية نفسها.

أقر الحزب الجمهوري بالدور الكبير الذي لعبه مؤتمر الخريجين، حين "دعا إلى إصلاحات جمة، فأصاب كثيراً من النجاح، ووفق، بوجه خاص، في يوم التعليم.. فقد جمع الأموال، وأفتتح المدارس في شتي أنحاء القطر، أو، إن أردت الدقة، ساعد العاملين من أبناء مدن القطر على إنشاء المدارس الوسطى التي أرادوها.. ثم أن المؤتمر كان له رأي ونشاط في الميدان الاقتصادي وفي إصلاح القرية، وإصلاح الفرد، ومحاربة الأمية، وتحسين الصحة العامة، إلى آخر ما إلى ذلك.. مما جعل المؤتمر مرجواً".

كما أخذ الكثير أيضاً على المؤتمر وعلى الحركة السياسية في تلك الفترة، ومنها "لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم الأهلي على هدى سياسة تعليمية منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها، في المستقبل القريب والبعيد؟ ولماذا لم يعن المؤتمر بمناهج الدراسة كما عنى بإنشاء المدارس؟ ولماذا عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر، اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات ولم تتجه إلى الشعب، تجمعه، وتنيره، وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولاً، ثم جاءت مبادؤها أخيراً؟؟ ولماذا جاءت هذه المبادئ، حين جاءت مختلفة في الوسائل مختلفة في الغايات؟؟ ولماذا يحدث تحور، وتطور، في مبادئ بعض هذه الأحزاب، بكل هذه السرعة؟ ثم لماذا تقبل هذه الأحزاب المساومة، في مبادئها؟"

نواصل

السبت، 5 يناير 2019

هذا عُرسك يا جميل




ما طرق أذني أنشودة وطنية سودانية هي من الروعة لتماثل (عُرس السودان)! 
https://soundcloud.com/abdallagafar/bfaev3ovlycc
والعرس الحقيقي أن يلتقي شاعرٌ عبقري هو أستاذ جيله مع موسيقار سوداني نوبي فصيح، صاحب صوت ندر أن يجود الزمان بمثله.
ويبدأ العرس بمقدمة هي أشبه بـ(قولة خير) في عرف أعراسنا السودانية، وتمضي نحو (ليلة الدخلة) حين يبلغ القصيد قمته وذروة سنامه فيقول الڤيتوري ما يترجمه وردي لحناً:

والنيل ثوبٌ أخضر
ربما
عاكسه الخصر قليلاً
فمال

لقد ملأ وردي بحس فريد كل فراغ فكأنك تستمع لكلمات حين يصمت تتناقله الالات الوترية والنفخية والاقاعية، أما حين ينطق بالغناء فإنه يشبع وجدانك بكل طيب سائغ لذة للطاعمين..

والڤيتوري.. كيف يصنع ما يصنع! لله در من طرّز بكلماته فنادى:
يا رايةً منسوجةً
من شموخ النساء
وكبرياء الرجال

إنها ثورة أخرى في اللغة الثقافية التي قصرت الكبرياء على النساء، وتواترت او تواطأت، على شموخ الرجال..

فلمن؟! لمن يعزف كليهما (شعراً، ولحناً) حين تغيب لغات البشر، بل الكائنات.. وتتعطل سبل التواصل ويفيض إناء اللغى بمعان لم تخطر على قلب بشر..

لمن تُرى أعزف أغنيتي
ساعة لا مقياس إلا الكمال
إن لم تكن أنت الجمال الذي يملأ كأسي
فيفيض الجمال!

وللوطن، ومثله يقال له، فرادة الكلمة التي سحرت الاغريق والرومان والأعراب والأقباط والنوبة.. الكلمة التي هي في كل أسطورة أول ما جاء، وفي كل دين أول ما خلق.. فيأتي الڤيتوري بجِماع كل ذاك ليقول له:

فداً لعينيك 
الدماء التي 
خطت على الأرض 
سطور النضال
داست على جلادها 
وهي في سجونه 
واستشهدت بجلال

نعم.. هي فداً لك.. ولكن:

فدا لك العمر 
ولولا الأسى 
لقلت تفديك الليالي الطوال

#مدن_السودان_تنتفض
#موكب6يناير
#تسقط_بس

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

بين الثورة والانقلاب والهرتلة



منذ العام ٢٠٠٦، وأنا أنتوي أن أكتب عن (الانقلابات العسكرية في السودان) من زاوية (الاسباب والمحصلة). 
وكنت كل ما بدأت في مسودة الكتاب أتراجع عن ذلك لمشاغل عدة.. وكانت فكرتي بسيطة، خلاصتها أن كل الانقلابات العسكرية في السودان أتت لأسباب محددة مطروحة في العلن ثم أنها وقبل أن تصل نهايتها بقليل كانت هي من تنقلب على أهدافها وتتراجع عنها وتخونها في نهاية الأمر. وهذه المحصلة تجدها في كل انقلاب عسكري منذ الاستقلال وحتى عصر أمير المؤمنين والمنافقين الحالي.
ولكي تضح لكم فكرتي جيداً سأذكر نماذج سريعة لكل عهد عسكري..
  • كان السبب المعلن لتسليم رئيس الوزراء عبدالله خليل زمام السلطة للفريق عبود هو الحفاظ على تراب الوطن، ووفقاً لأقوال الفريق عبود المنقولة لدى التحقيق الجنائي عقب اكتوبر ١٩٦٤، فإن فصيل سوداني كان في الحكومة الائتلافية ذهب إلى مصر واستقوى بها على حساب فصيل اخر لتعينه للوصول إلى السلطة، بل اعترف باتفاقية ١٩٢٩ سيئة الذكر التي الغتها حكومة السودان.. هذا بالاضافة للتهديد المصري في حلايب وقتها.
ولكن حكومة عبود نفسها قد فعلت أسوأ من الاعتراف باتفاقية ١٩٢٩ والتي تعطي السودان نصيباً مجحفاً من المياه، واسوأ من التفريط في مثلث حدودي، وذلك بابرامها اتفاقية جديدة أغرقت عروس الشمال حلفا! وجميع الأراضي السودانية شمالاً وذلك حتى تتمكن مصر من بناء السد العالي!
وتم تهجير الالاف من قراهم في السودان ومصر!
كل هذا حدث في عهد عبود وقبل ثورة اكتوبر.

  • وبعد ثورة اكتوبر وبعد انتخاباتها تم حل الحزب الشيوعي في سابقة خطيرة أدخلت البلاد في أزمة دستورية، ثم حاولت الاحزاب اليمينية والطائفية تمرير مشروع الدستور الاسلامي عبر البرلمان إلا أنه سقط، وفي تمادٍ رهيب قررت هذه الأحزاب أن تطرح الدستور لاستفتاء شعبي متجاوزة البرلمان، وفي هذا الجو حدث انقلاب مايو ١٩٦٩ ليقطع الطريق امام الدستور الاسلامي والتغول على الدستور!
هذا الانقلاب وهذا النظام هو نفسه من سيعلن القوانين الاسلامية بعد ١٤ عاماً وسينقلب على الدستور ويلغي اتفاقية أديس أبابا.

  • وحين انقلب جماعة الاخوان المسلمين على حكومة الصادق، كانت شعاراتهم وأسبابهم المعلنة هي الحفاظ على وحدة البلاد وعلى جنوبه تحديداً الذي يبشر بالانفصال، والسيطرة على التدهور الاقتصادي المريع (كان الدولار وقتها ب١٢ جنيها سودانياً) واقامة شرع الله!
ولكن هذا النظام هو نفسه من سمح ولأول مرة باستفتاء حول مصير الجنوب والذي كان سبباً في انفصال جنوب السودان، وهو من شهدت في عصره العملة السودانية اسوأ تدهور لها حيث وصل سعر الدولار وحتى كتابة هذا المقال ٦٠٠٠٠ ألف جنيه! أما اقامة شرع الله فقد شهد زعيمهم الترابي بأنهم فشلوا في ذلك فشلاً مريعاً!


هذا ملخص لفكرة كتابة مطولة سنعود لها في وقتها لو مُد في العمر.. 
ولكن ما أود التنبيه له هو أن الانقلابات العسكرية في كل مكان من رقعتنا كانت دوماً تعود إلى المربع الأول.. 
فانقلاب الضباط الأحرار في مصر مثلاً جاء لالغاء الملكية وسن قوانين اشتراكية، ولكن وبعد وفاة عبد الناصر تراجع خلفه السادات عن القوانين الاشتراكية، وكاد خلف السادات أن يرجع بالبلاد إلى الملكية، ولم يتبق من نظام الضباط الاحرار حتى صورة اللحم والدم!

وفي تركيا، أدت الاصلاحات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية التي انتهجها السلطان عبد الحميد لبروز كمال أتاتورك وصحابه وتسلمهم لمناصب عالية، وحاولوا عبر انقلابهم تسريع عجلة التاريخ والذهاب بتركيا لتصبح دولة حديثة بالنموذج الأوروبي (علمانية لبرالية) وتطرف النظام في علمانيته ولم يستطع ان يجاري أوروبا في لبراليتها ثم هو نفس النظام الذي يتربع اليوم في قمته أخ مسلم في ثوب علماني زائف يكاد أن يرجع عهد الخلافة!

ومن المضحكات أن كل هؤلاء، في السودان ومصر، قد أسموا انقلاباتهم ثورات! (ثورة نوفمبر وثورة مايو وثورة الانقاذ وثورة يوليو)
ثورات لم ترق فيها قطرة دم لأنها قد تمت من نفس الأناس المناط بهم حماية البلاد من الانقلابات! ولانها حدثت بمباركة حزب او حزبين كبيرين! ولانها حدثت ببساطة ودون امتلاك مذهبية او خطة! فأي ثورات في العالم قامت هكذا!
الثورة فعل يراد به التغيير، والتغيير عملية تصاحبها جهد ومقاومة، والجهد المبذول في أي فعل يتحدد بالمقاومة المبذولة، فلا يُعقل مثلاً أن تنتزع شيئاً من يد طفل صغير بنفس الجهد الذي ستبذله لانتزاع نفس الشيء من شخص بالغ مفتول العضلات!
ولأن التغيير الثوري غالباً ما يتهدد طبقات كاملة بالفناء لذا فإن مقاومتها لجهد التغيير سيصاحبها عنف عنيف، فهي معركة بقاء أو فناء بالنسبة لتلك الطبقة..
ولهذا فإن التغيير الثوري (الواعي) يحترز من مثل ذلك العنف بالاعداد السليم لعنف مواز.. ولأن مقدرات الثوار المادية (غالباً) أضعف من مقدارت الطبقة الحاكمة لذا يجب عليهم أن يلجأوا لأساليب مبتكرة لتقلل من العنف ما استطاعت.. وكمثال لذلك نجد أن الإيرلنديين قد ابتكروا أساليب عنيفة تضر بمصالح الحكام ولكنها تقلل من محيط العنف.. وهنالك نماذج كثيرة لهذا المثال في أكثر من دولة..


أما الهرتلة، فهي ما تفعله المعارضة السودانية والمعارضون اليوم.

التسميات: ,