الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

تفسير الماء



إلى: جون قرنق دي مبيور في عليائه المجيدة



ودخلنا – خصمان على سيدنا ملك الأنس سليمان
قلت أيا مولاي
قد جئنا من أرض السودان
قال: سلام – بلد طيبْ، وشعب قد زان الأوطان
وأردف مولاي يسألنا
وهو يمد بسبابته متعدا: أمحبان؟
قلت بلى، عن نفسي أشهد
وقال رفيقي: وأنا أزعم  يا مولاي السلطان
قال وما خطبكما؟
قلت بلادي
أرض أبي
وخريدة قلبي،  مسك فؤادي
ولدت بنتي وكذلك ولدي
فلذة أكبادي
وعشت عليها آلاف الأعوام
وقمت على فلوات نجوع أحرثها
طببت جروح الأرض بنبت رباها
وسقت الأنعام على صعدتها
فكنت الحارث والراعي
فأتاني- هذا- مصطلما أرضي فما أبقى
ونازعني في حقي، حتى نسلي قد أفنى
ونادى أن أحيا فوق بلادي عبدا!
فهل يرضيك أيا مولاي!
قال السلطان:
قد أكثرت الشكوى والبلوى
لكنا قوم لا نحكم الا بالحق وبالإحسان
فنسمع من ذاك ومن هذا
وأردف مبتسما في هيبته:
قل ما عندك يا هذا ولا توجز
فقال فلان:
أرض قد جئناها على كره
فلقينا فيها شظف العيش وبؤس الإنسان
فبنينا مجدا يَتْلِدُ
ورفعنا صرحا يبقى
ما بقيت فينا الأزمان
أما هذا، فأراد الدعوة للعصيان
وخرق الناموس الأكبر في الأكوان
قتّل من ابناء عمومته بيديه
وسعى في الأرض فسادا
فهل أتركه والأرض؟
أم أنبذه عنها كي تحيا الأرض؟

قال سليمان: من منكم يهوى أرضه أكثر
قلت: أنا
قال فلان: بالطبع أنا
قال سليمان: سأقسمها بين الأثنين
فهل ترضون؟
صاح الآخر: هذا ما كنا نبغ
فصحت بلوعة ألاف الاجداد:
يا صاحي خذها لا ينفع أن تشطر نفسا
لا ينفع أن تقسم وطنا
لا ينفع
لا ينفع
قال سليمان:
قد ظهر الحق
ولكن يا ولدي
القائد والمفكر العظيم: جون قرنق دي مبيور
لا يدني الحق من الحق السلطان
 قصي مجدي سليمدبي – أكتوبر- 2012م

التسميات:

السبت، 20 أكتوبر 2012

نجيب محفــوظ في فكــر الصـادق المهــدي

أزمة الساسة، ومحنة الأدباء


كنت قد تحدثت من قبل عن دور المجتمع في إعلاء قيمة الفنون والآداب، باستشراء روح الجدية والنقد العلمي الذي يخلو من الأغراض الشخصية والمتعجلة، ولهذا فإننا نعنى أول ما نعنى باستجلاء آراء الصفوة ونقدها، وقد كان أن تحدثنا عن الأستاذ (العقاد) في نقد (شوقي) وأبنا سوء نقد العقاد لأنه لا يعترف لشوقي لا بحق ولا باطل. 
وللسيد الصادق اجتهادات كثيرة في الدين والسياسة نوافقه على بعضها وننكر عليه الأكثر، ولكنها ليست مقصدنا اليوم - لخصوصية مقالنا هذا. 

لقد بذل السيد الصادق رأيا على صفحات كتابه - والذي هو في الاصل ورقة قدمها لمؤتمر وزارة الأوقاف المصرية - والذي حمل عنوان جدلية الأصل والعصر. 
وجاءت في الكتاب اشارة الى أديبنا نجيب محفوظ يهمني أن أنقلها للقارئ كما هي حتى يتبين له ما نريد أن نقول.. قال: (هنالك تيار علماني في الغرب اتخذ موقفا عدائيا من الدين وحمله مسؤولية التخلف والظلامية والعنف في الحياة الغربية نفسها. هذه الإدانة للدين في الغرب اسقطها بعض المفكرين المسلمين على دور الإسلام. وجهر هؤلاء بفكرة: أن الفكر الحديث الجاد والعلم قد طردا الدين نهائيا من الحياة لتقوم الحياة على العلم. هذه هي الفكرة التي رسم معالمها الأستاذ نجيب محفوظ في روايته اولاد حارتنا وهي رواية مع وضوح فكرتها من أسخف ما كتب الاستاذ الذي امتع الاجيال بروايات رائعة خالية من حذلقة أولاد حارتنا ورمزيتها التي تقارب رمزية رواية سلمان رشدي سيئة الصيت الآيات الشيطانية) أهـ. (الكتاب - ص20-21). 
والسيد الصادق مخطئ في أكثر من جانب، كما أنه قد ظلم استاذنا ظلم الحسن والحسين وهذا ما سنجليه الآن:


أولا: ودون الولوج في القضايا الأيدلوجية فإن فكرة الرواية هي على عكس الصورة التي رسمها السيد الصادق! هي فكرة مع الدين رغم أن فكرة الرواية في جوهرها لا علاقة لها بالدين ولكنها - اي الفكرة - استفادت من القصة والاحداث التي كانت على طول الخط تعتبره محررا للشعوب. 

ثانيا: فكرة الرواية ليست (رسم معالم الحياة المقبلة بطرد الدين والخ..) بل فكرة الرواية هي (الصراع) بين (الخير والشر، وديمومته) وهي فكرة قد سبق لنا على صفحات هذه الجريدة قد نوهنا الى عدم اصالتها وبأنها مستهلكة قد أخذها استاذنا نجيب من لدن (سيزيف) والصخرة. 


ثالثا: الرواية لا ترسم معالمها الفكرة، بل القصة هي التي ترسم معالم الفكرة!!! 

السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق

رابعا: لا يستقيم القول(هي رواية مع وضوح فكرتها) مشفوعا بالاستدراك (من أسخف ما كتب الاستاذ نجيب الخ..) لأن سخف العمل هو عدم وضوح فكرته، ولكن لا يهم موافقة الفكرة معك.. بمعنى أن العمل الفني لا يخضع لتقلب الآراء الشخصية فاذا وافق رأيك فهو عمل جيد، واذا خالفه فهو (سخيف)!! 

خامسا: رواية اولاد حارتنا لا تنتمي للأدب الرمزي، ولا تقارب (الآيات الشيطانية) التي هي الأخرى لا تنتمي للأدب الرمزي. ربما المقاربة فقط هي التي ساقها السيد الصادق في عبارته (سيئة الصيت). 


وللأسف فإن السيد الصادق قد كرر مقالته مرة أخرى في صحيفة الشرق الأوسط مع إضافات (كارثية) هذه المرة.. نقتبس منها نقلا عن صحيفة آخر لحظة بتاريخ/11/9/2006م : 
(في عام 1988 منح القائمون على جائزة نوبل جائزة الأدب تقديرا منهم للكاتب خاصة لروايته أولاد حارتنا)!! - التعجب دوما من عندنا- (في رواية اولاد حارتنا تخطى نجيب مجالاته الاجتماعية المعهودة واقتحم ميدان الفلسفة.. انها رواية فلسفية)!!!!.. (قرأت رواية أولاد حارتنا ولولا اسم مؤلفها لما صبرت على سذاجة خطتها الروائية، وتهافت مقولتها الفلسفية.. الرواية ببساطة تستصحب قصص الأنبياء، وتتبنى رؤية الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت الذي قال: ان الانسان في طفولته الحضارية يؤمن بالسحر ثم يتقدم فيؤمن بالدين، وآخيرا يتخلى عن الدين لصالح العلم)!!!!!!

 وبعدها يترك السيد الصادق نجيبنا ليسأل (لماذا اولاد حارتنا؟) وليجيب بأنها حلقة اخرى في علاقة اسلامنا مع الغرب ويذهب الى وهاد لنا فيها نوق ولا سبيل لطرادها اليوم. 

اولا: لم يمنح القائمون على أمر نوبل الجائزة (خاصة) لرواية اولاد حارتنا، ولا هكذا تعطى نوبل أصلا، ولكن تمت الاشارة اليها (وأخريات). 


ثانيا: ما هي المجالات الاجتماعية في الادب؟؟ وما هي الرواية الفلسفية؟؟ فالسيد الصادق بعد أن أثرى الساحة السياسية بالمصطلحات، أراد أن يمدنا ببعضها أيضا!!

فهذه التجزءات (لما هو اجتماعي وفلسفي) لا علاقة لها بالادب، فالآداب اصلا وفصلا عبارة عن فلسفة لا فاصم لعروتها، والفلسفة هي العلم الذي صاحب الفنون حتى الآن (وإن كان جنوح الفنون للأنثربولجي الان أكثر).
إن السيد الصادق بطريقته تلك في التصنيف هدم - ومن حيث لا يدري - أهم خصيصة للآداب والفنون. 

ثالثا: لو أن السيد الصادق قرأ أولاد حارتنا دون الالتفات إلى اسم صاحبها لكان حري به أن يصل إلى مقولتها (الصحيحة).. ووجد أن (البساطة) التي رآها في استصحاب قصص الأنبياء لم تستعمل ضد الدين، بل وعلى العكس تماما فقد استعملت كمثال للعدل والقسط والثورة، فكل الشخصيات الدينية (جبل) و(رفاعة) و(قاسم) قد كانوا مخلصين للحارة، الأمر الذي عجزت عنه الشخصية العلمية (عرفة) فأين هو انتصار العلم على الدين في هذه الرواية، وطرد العلم للدين من الحياة باعتباره البديل كما تفضل السيد الصادق وأسهب مرتين؟!! 
أكثر من هذا فإن رأي كونت نفسه الذي ساقه السيد الصادق لا ينتفي والدين، وهي مقولة صحيحة ولكنها لم تقل كتقرير فرح بل كتقرير راصد. 
رابعا: يلحظ أن السيد الصادق لم يتبع أي منهج نقدي أدبي (خصوصا في المقال الذي كتب خصيصا في نقد الأديب) لهذا لا يستغرب أن تخرج آراءه النقدية مضطربة وغير دقيقة وغير علمية. الأمر ذاته الذي فهمه ذلك الشاب الأهوج فأخرج سكين الغدر وضرب بها أستاذنا فحرمنا من إبداعه حتى مماته. 
                                                                                                            للأمم الأخرى أمثلة جيدة لقياديين ونقاد من أمثال الرئيس (مازاريك) و(سلفادور اللندي) الذي مات دفاعا عن حقه الشرعي الديمقراطي في حكم بلاده وآخرون كثر كانوا حقا شراة لروح النقد الجاد والعلمي بين أممهم. 

طابع بريدي اصدرته المانيا الشرقية تخليدا للرئيس اللندي
مازاريك-الرئيس الأسبق لتشيكوسلفاكيا

رحم الله نجيب، وأقر مقامه مع الصديقين والعلماء البررة، بقدر ما أفسح للدين مجالا في أولاد حارتنا. 
                     ورحم الله (مازاريك) و (اللندي) قدوة لكل رئيس. 





قصي مجدي سليم
سبتمبر ٢٠٠٦م

التسميات:

الجمعة، 19 أكتوبر 2012

من قضايا المرأة- الحركة السياسية والإجتماعية في السودان - الوضع والتوضيع



بمناسبة اليوم العالمي للمرأة



لقد كانت الحركة الوطنية السودانية ومنذ (نوادي الخريجين)، ومرورا بمؤتمر الخريجين، منقسمة الى ثلاثة أقسام. القسمان الكبيران اتجه كل منهما الى طائفة من الطوائف الكبيرة (الختمية، الأنصار) وكان لكل منهما إتجاه سياسي إما (الوحدة مع مصر) وبدرجات متفاوتة بين الوحدة والإتحاد، والاتحاد الإسمي، وإما الإستقلال وبدرجات متفاوتة (استقلال تحت التاج البريطاني) او ضمن (التعاون البريطاني).
زيارة الملكة اليزابيث الى السودان عقب الاستقلال
القلة فقط هي التي عارضت هذه الآراء، وبُعدها عن المستقبل الأمثل للبلاد ودعت للإستقلال التام وإقامة جمهورية سودانية ديموقراطية. فيما بعد، وبعد أن بدأ النشاط السياسي لمؤتمر الخريجين بمذكرته الشهيرة للحاكم العام، ظهرت الإنقسامات بصورة كبيرة ورويدا رويدا بدأت الحركات السياسية والأحزاب تنشأ بعيدا عن المؤتمر حتى أفرغت المؤتمر من عضويته وأضطر في 1953 الى أن ينتهي تلقائيا، ولكنه كان قد إنتهى بالفعل منذ العام 1948م.1 

ليس فقط غياب المذهبية والرؤية الإستراتجية هي مظاهر حركتنا الوطنية منذ الفجر الأول لها، فحتى ذلك التاريخ الأول، ناهيك عن ذي قبل، فإن المرأة لم تكتشف بعد كعنصر في اللعبة السياسية. لم تدخل في مؤتمر الخريجين، ولا وردت في نظم الأحزاب التي تفرعت عنه، بل إن المؤتمر لم يفتح بابه للنساء كي ينخرطوا في العمل العام، رغم ان الخريجات قد كن كثر في تلك الحقبة، فكان الأحرى به، والأشرف له، أن يكون (مؤتمر الخريجين والخريجات).



المجلس الاستشاري لشمال السودان ١٩٤٤م
ومن الطبيعي والحال كهذه أن تهمل المرأة في أدبيات المؤتمر ونظمه وأهدافه إهمالا تاما وهو الشيء الذي ورثته الأحزاب التي تفرعت عنه، إلا أنها-وفي حقب قادمة- رأت أن تُدخل في باب المرأة، داخل نظمها، ما لا يُعرف بحضوره ولا يُفقد بغيابه. 


(كان أهل السودان ككل يعيشون في وضع سيء للغاية، فالجهل والمرض متفشيان. والخريجون يعملون في أنديتهم، مفصولين بتعاليهم عن الشعب! أول مظهر لذلك التعالي كان في مفتتح عمله السياسي، إذ أنه عندما بدأ عمله السياسي لم يتوجه للشعب بخطاباته!! بل توجه بها للمستعمر!!).
هذا هو الوضع الذي عاشت فيه "الأم، والأخت، والبنت، والزوجة". فكل جاهل مغبون، كان له بالمنزل (إمرأة) "يَفِشُّ" بها، وفيها، غبينته. ويتعالى عليها بجهله. هذا هو السبب الأساس الذي جعل رواد الحركة الوطنية بمؤتمر الخريجين يستعلون على المرأة الخريجة في ذلك الوقت!! 
في الأعلى زورى سركسيان، وفي الأدنى خالدة زاهر أول طبيبتان سودانيتان
بالطبع فإن أصحاب القضايا هم أولى بها من غيرهم، ولهذا فإن الجمعيات النسوية قد أخذت شكلا استقلاليا عن المؤتمر وقامت أول رابطة نسوية في العام1947م بمسمى "رابطة الفتيات المثقفات"، ولاقت نجاحا كبيرا. ولكن وبمجرد أن واتت النساء فكرة "النادي النسائي" نفد عندها صبر الرجال، وتوقف النادي (نتيجة للضغوط التي واجهته من ازواج العضوات)2. 






حزبان إثنان فقط أهتما بالمرأة في أدبياتهما، وكانا رائدين في هذا المجال منذ نشأتهما بصورة لا تنكر. أولهما هو الحزب الجمهوري الذي أسسه الباشمهندس -في ذلك الوقت- الأستاذ- فيما بعد- محمود محمد طه ورفاقه. لقد أشرنا للحزب الجمهوري عندما تحدثنا سابقا عن القلة التي رأت أن يستقل السودان عن مصر وبريطانيا، ومن إسم الحزب يتضح تماما الخط الذي اختاره لنفسه في فترة النضال الوطني، فقد رأى قادة الحزب أن تقوم في السودان جمهورية ديموقراطية مستقلة، ولكن ما يهم موضوعنا هذا أن الحزب ومنذ نشأته في العام1945م وفي أكتوبر، أخرج كتيبا بعنوان "السفر الأول" هو بمثابة وثيقة توضيحية تشمل أفكار الحزب وأهدافه ونظامه الأساسي"الدستور"، ولقد أفرد الحزب الجمهوري للمرأة بابا في تلك الوثيقة على صغر حجمها ولقد كان واضحا أن ذلك الباب الذي أفرده ليس كل ما يقال، وأن المستقبل سيشهد التفصيل اللازم.3 ولقد فعل من خلال الكتيبات التجديدية التي ناقشت وضع المرأة في القانون المدني والجنائي. 


اما الحزب الثاني فهو "الحزب الشيوعي السوداني"4 ولقد كان واضحا أن الحزب الشيوعي أيضا من القلة التي أشرنا اليها، لقد شب الشيوعيون السودانيون معارضين للإتحاد مع مصر أو التحالف مع بريطانيا، وكان رأيهم واضحا في مسألة الإستقلال التام بعد فترة إنتقالية (خمس سنوات) يكون فيها السودان في الوصاية الدولية وبعدها ينال إستقلاله التام.5
 ومع هذا التميز في الموقف السياسي أولى الحزب الشيوعي المرأة إهتماما كبيرا في دستوره وأدبياته، ولقد توج هذا الإهتمام بإيصال أول إمرأة سودانية الى البرلمان فكانت الأستاذة (فاطمة أحمد إبراهيم)، وأخرج الحزب الشيوعي نماذجا عديدة لنساء سياسيات مرموقات قُدن حركة المرأة في داخل السودان وفي افريقيا والعالم العربي. 
الأستاذة فاطمة أحمد ابراهيم أول نائبة برلمانية سودانية

كان من الطبيعي أن تنمو قضية المرأة في أحضان الأحزاب اليسارية السودانية. لأن الأحزاب اليمينية كانت-ولا زال بعضها- مُعوَّقة بالفهم السلفي للدين، فكان وضع المرأة فيها "تموضعا" لمصلحة الحزب. ولهذا فإن المرأة السودانية عموما لم تجد في حركتها الإجتماعية داعما لها من الأحزاب اليمينية، خصوصا في الميادين التشريعية والقانونية. ولعل أكبر عقبات المرأة في الحقل العام هي الفهم الديني السلفي. فبه شرعت قوانين الأحوال الشخصية بالسودان منذ العهد الإنجليزي الإستعماري وعلى منواله سارت الحكومات الوطنية. وبطبيعة الحال فإن تلك العقبة لم تعترض النساء فقط بل كان لمجاميع كبيرة من الرجال حظا وافرا من القمع والظلم. وليس ببعيد من الأذهان حادثة "حل الحزب الشيوعي إبان الديموقراطية الثانية". ولكن تظل المرأة، وبظلمها التاريخي في كل بقاع الدنيا، أكبر متضرر من تلك القوانين، فهي إن صادرت حقوقا سياسية وقانونية للرجال، إلا أنها صادرت كل حقوق النساء حتى حق الحياة نفسها.
من الواضح أن كل القوانين المستمدة من الفهم السلفي للدين قد ميزت بين المرأة والرجل لصالح الرجل. وأوقعت على المرأة واجبات كثيرة لا تتكافأ مع حقوقها القليلة في إطار العقد الإجتماعي. هذا الفهم نفسه قد صاحب الأحزاب اليمينية فترة من التاريخ. ولا زال يصاحب بعضها حتى الآن. في هذا الإطار لابد من الإشارة الى أن بعض الأحزاب اليمينية"مثل حزب الأمة" قد شهدت تطورا ملحوظا في وضع المرأة (العضوة) داخل هياكلها التنظيمية، وفي وضع المرأة (الجمهور) في طرحها الفكري الحديث. لكن، ومع هذا، تظل قضية الأحوال الشخصية من القضايا الطارقة على باب التجديد داخل كل الأحزاب اليمينية السودانية.
رغم أن دولاً إسلامية كثيرة لا تعترف بأهلية المرأة في تولي القضاء، أو المناصب الكبرى بالبلاد، إلا أن السودان، ومنذ فترة طويلة، شهد تطورا ملحوظا في هذه القضية. إذ أن المرأة السودانية، ومنذ الستينات من القرن الماضي، تقلدت القضاء، بل وفي العام 1976م تمكنت مولانا احسان محمد فخري من الوصول لدرجة (قاضي محكمة إستئناف).

كما أن المرأة السودانية وكما أسلفنا قد دخلت الى البرلمان السوداني في الستينيات أيضا.
كان من الواضح أن الأمر لو سار بهذه الوتيرة لكانت المرأة السودانية الآن في أفضل أحوالها السياسية والإجتماعية، ولكن، وللأسف فإن العكس هو الذي يصح الآن من وجهة نظرنا. من ناحية فإن المرأة تعد أكثر تمثيلا في المعاهد والجامعات والمدارس الحكومية، وفي حقل العمل المهني والمدني وفي وظائف بعينها فإن المرأة تشغل أكبر مساحة في الخارطة. ذلك أمر جيد. ولكنه أيضا قد ساهم في إزدياد أعباء المرأة إذ أنها الآن، وبهذه الطريقة، عائلة لنفسها ولأسرتها، ثم أنها لا تجد أيضا حقا متساويا مع الرجل.
إن إزدياد التيار السلفي الإسلامي يعد من أخطر القضايا التي تواجه المرأة إذ أنها الضحية الأولى في المجتمع لذلك الفكر. إن الرجل –ذلك العدو التقليدي- لا يساوي شيئا أمام هذه القضية لا لأنه سيصبح ضحية مثلها وحسب. بل لأن المرأة نفسها قد تصبح بالفكر السلفي عدوة لنفسها، ولجنسها. 


إستغلال المرأة من قبل الجماعات والأحزاب الدينية ظاهرة معروفة، وقضية كثر تناولها في الحقلين السياسي والإجتماعي. ليس من المفروض أن يكشف زيف الإدعاءات، وتوضيح الحقائق فقط! هذا ما سيتم وما تم بالفعل، ولكن الأهم هو تقديم النماذج البديلة بصورة مقنعة، وإستمرار عملية التوعية عن طريق المقارنات المنطقية والنتائج المحتملة. لأن كثير من الجماعات والأحزاب –بل وحتى الأفراد، تتغير أشكالهم وأجسامهم ورسومهم بصورة تتماهى مع التجديد لدى النظرة العجلى، ولكنها، وعند تدقيق النظر اسوأ من الشكل السابق بما لا يقاس! هكذا علمنا التاريخ. لهذا فإنه ما من دستور، أو قانون، يأتي دون حركة إجتماعية فكرية تناقش هذه القضايا وتجد لها الحلول اللازمة، سيوفر حقوقاً للأفراد والقطاعات مهضومة الحقوق.
الآن، وفي السودان، يوجد دستور، (إن كان منحة أو هبة أو حقاً) إلا أنه يتيح في مواده حقوقا تكاد أن تكون مثالية للرجل وللمرأة على حد سواء. لا يقع فيه تمييز على اساس الدين أو النوع، وتقوم الحقوق والواجبات فيه على أساس المواطنة. ورغم هذا فإن الرجال والنساء لا زال يقع عليهم عبء الظلم والقهر المقنن لهما داخل القانون العام. و لا ينكر "ناكر" أن المرأة هي المتضرر الأول من تلك القوانين الجائرة التي يمتلئ بها قانوننا الجنائي وتعارض الدستور بندا بندا.

يبدو أن الجميع لا يحفل بالأمر!! فعندما تهان المرأة في الأماكن العامة، لا ينتظر أن تعطى حقوقا سياسية أيضا! هذا أمر واضح وجلي ولكن لا يبدو أن هذه المفارقة تستحوذ على أذهان القادة السياسيين، أو أنهم يوافقون عليها لأنها من صميم تفكيرهم الذكوري.
بالطبع فإن هذه المقالة تتحدث عن التغيير، عن المستقبل القادم حيث يمكن للمرأة وللرجل أن يكونا أسرة واحدة تقوم على التكافؤ، والعدل، والمحبة، والمساواة. وهي ترى أن الرجل والمرأة عنصران مهمان لهذه المعادلة، أكثر من هذا فإن هناك من الرجال من وقف مع المرأة ضد "توضيعها"، وهناك من النساء من وقفن ضد "وضعهن" الطبيعي في المجتمع- مع هذا فإن العقلية الذكورية، في أغلب أحايينها وقفت عائقا أمام تطور المرأة، وتطور الرجل. فليس من سبيل للنهضة البشرية دون إشراك المرأة كعضو فاعل في العمل السياسي والإجتماعي، ومساعدتها للخروج من سجنها التاريخي حتى تجلس على عرشها المستحق.
 

قصي مجدي سليم 

(نقلاً عن "باكر" إصدارة مركز سالمة-الخرطوم- عدد مارس2010) 

المصادر والمراجع ولمزيد من التوسع 
1-د.فيصل عبدالرحمن علي طه-الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان-مركز ع كريم مرغني-ط2 2004م 
2-(الباحثة: منى أحمد ابراهيم، صحيفة الصحافة،العدد رقم 5297/18-3-2008) 
3- محمود محمد طه- السفر الأول1945-ط3 
4-د. محمد سعيد القدال-تاريخ السودان الحديث1820/1855-مركز ع كريم مرغني-ط1 2002 
5- د. فيصل عبدالرحمن علي طه- م س


التسميات:

الخميس، 18 أكتوبر 2012

دفع الإفتراء أم نبذ الحقائق؟!



           تعقيب على تعقيب الأستاذ محمد عبدالخالق بكري:

د. النور محمد حمد
د. محمد عبدالخالق البكري






                   (يهدى هذا المقال إلى: حسن محمد سعيد)

أ. الكاتب. حسن محمد سعيد

     
في مقال له، حمل عنوان (تعقيب على د.النور حمد: دفع الإفتراء عن الطيب صالح وآخرين)، حاول الأستاذ محمد عبدالخالق أن يدافع عن الطيب صالح وآخرين.. ولكني أرى أن مرافعته قد ضلت الطريق الى ذلك، خصوصا في ختامها. وفي البدء فإن القارئ والعارف والمتابع لمحاضرات وكتابات د. "النور محمد حمد" لا يجد فيما يقوله قدحا في الطيب صالح. فهو يعرف للطيب صالح فضله الروائي، ويعرف له من طيبة الأخلاق والأدب الكثير، ويعرف له من الأفضال ما تفضل به في أكثر من محفل. ويكفيني هنا أن أنقل ما لفت نظري له صديقي محمد حسبو، من مقالات النور حمد، حيث قال ما يلي عن الطيب صالح: 

النور
((ولست هنا بصدد إطلاق حكم تفضيلي، أرجح به كفة معاوية على كفة الطيب صالح، لمجرد أن معاوية اختار نهج الصدام على نهج المهادنة. فإشكالية الصدام والمهادنة إشكالية معقدة ولا يمكن اختزالها في مجرد إطلاق الأحكام. وعموما الطيب صالح رجل ذكي، واسع الإدراك، ومن يقارب آراءه لابد له من الروِيَّّة، ومن اصطحاب حقيقة قامته السامقة، وذكائه، وسعة أفقه المعرفي.))
لهذا فإني لا أرى من سبب يجعل الأمر بالصورة التي صورها الأستاذ الفاضل، محمد عبدالخالق، واصفا الأستاذ النور (بالتجني) وبـ (الافتراء) هكذا "مرة واحدة"!!
وثانيا فإن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق (وهو يحاول أن يدفع إفتراء عن جيل كامل) قد خلا– عكس مقال النور حمد ـ عن أي مرجع يسند به كم المعلومات الوفير التي أتحفنا بها، اللهم الا مرجع واحد لا غير (مقال لمحمد المهدي بشرى)، جعله به – على حد قوله ـ من المحققيين لـ (
تيار سودانى نظر بعين النقد للفكر والادب السوداني في علاقته بالثقافة المصرية، وهذا أمر موثق ومدروس).

هكذا يريدنا الأستاذ محمد عبد الخالق أن نسلم لتحقيق د. محمد المهدي بشرى، ونرمي كل ما نعرفه عن التأريخ إلى وراء ظهورنا، وبين ايدينا شواهد تاريخية ومراجع وعشرات الأوراق، مما يعود إلى قبل سبعينيات القرن المنصرم. ومرجع ثاني لا ضرورة له إطلاقا وهو (محمد عمر بشير) إذ لم يذكر لنا في أي صفحة بالضبط نبحث، حتى نصل الى تقريره الذي قرره. وليس بالطبع ما قرره هو عمل معاوية في الغرفة التجارية، كما ورد في المرجع، بل رضاء الإنكليز عن معاوية ومكافأتهم له الى آخر التقريرات التي ذكرها الأستاذ محمد، ومما سنبينه بعد قليل. ما خلا هذين المرجعين لا يوجد، لا هامشا ولا متنا، ما يسند المغالطات التاريخية، والإستبطانات الغريبة، والتهم الغامضة، مما سنأتي عليه في موضعه.
في محاولة الأستاذ الفاضل/ محمد عبدالخالق لكي (يدفع الإفتراء) عن الطيب صالح، ورد تحوير للحقائق التأريخية بصورة مؤسفة، حتى بلغ أن ساقته عباراته لإتهام (معاوية نور) في أكثر من موقع، بصورة لا تمت للحقائق بصلة. كتب الأستاذ محمد عبد الخالق:

((لم يعرف عن معاوية نور صدام مع الاستعمار بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه تجاه قضية الاستعمار واستقلال السودان))
 وكتب:
 ((كان معاوية يرى، ومعه في ذلك محمد عثمان القاضي، أن المستقبل الأمثل للسودان هو أن يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية، يعنى لا استقلال ولا يحزنون)).
 أما الثالثة القاتلة، فيما كتب، فهي:
 ((كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية، فلم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932، رفضها بحجة انها غير مناسبة لرجل في مؤهلاته. وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173).))
 إن ما ذكره الأستاذ محمد عبدالخالق هنا عن معاوية لا يمت لواقع الأمر بصلة، بل إن الحقائق والمواقف لتبدل والأقوال لتخرج في غير مقصدها. ففي حين يقول الأستاذ محمد عبدالخالق أنه لم يعرف عن معاوية صدام مع الإستعمار، نعرف جميعا أن معاوية قد كان مصادما للإستعمار. فالصدام ليس حصراً في أن ينتظم أحدهم في جمعية "مثل اللواء الأبيض"، أو أن ينظم عملا مسلحا، ولكن الصدام أن تكشف الزيف والإدعاء وتواجهه بوسائلك التي تراها مناسبة، وكانت وسيلة معاوية المتاحة له هي قلمه، (مثله مثل الطيب صالح)، ولكنه قلم لا يستطيع أن يقنعنا الأستاذ محمد عبدالخالق بأنه قلم مهادن الا اذا أقنعنا بأننا لا نفهم ما يُكتب باللغة العربية. يقول معاوية نور في ما كتبه عن وصف السودان:
((
ذهبت الى السودان بعد غياب عامين ونصف، وكنت أمني النفس في الطريق أن أرى وطني على خير ما يود الوطني لبلاده من مظاهر الحياة ودلائل التقدم وإطراد سبل التحسن والعمار............ فماذا رأيت؟..... رأيت أرضاً واسعة منبسطة تلمع فيها الشمس نوراً خاطفاً وترسل من لهيبها ناراً محرقة ورأيت الأهلين يمشون فرادى وجماعات قليلة، ساهمي النظر ضعيفي الأجسام متئدي الخطى من أثر الجو المحرق، والتغذية الضعيفة، والحميات الوافدة ، وأوامر الرجل الأبيض العاسفة)).

فمن هو هذا الرجل الأبيض الذي يصفه معاوية بالعسف هنا؟! أليس المستعمر؟ أوليست هذه العبارة مصادمة وقوية ومواجهة بل وثورية أيضا؟!! ثم يستطرد معاوية:
((
صورة عامة لا نشوز فيها ولا شذوذ اللهم إلا حياة الرجل الأبيض وسط هذه الإنسانية السوداء . فالرجل الإنجليزي مهما صغرت وظيفته يحيا وينعم في أرض السودان بآخر ما أعدت الحضارة الأوربية من وسائل الراحة ووسائل التنعم و نواحي الرياضة والتسلية. فهو يسكن في فيلا تحوطها الجنان والخضرة من كل جانب، بها ميدان للتنس وجراج للإتومبيل " ومرواح" تخفف من وطأة الحر "وثلج" في أيام الصيف يحيط بالجدران. ويلعب البولو في سهول أرض الرجل الأسود. وله من الخدم والحشم العدد الوفير. نهاره عمل بسيط في مكاتب أنيقة، وليلة رياضية وتسلية يتانق فيها ويحيطها بترف ورفاهية . فاذا ما فرغوا من التنس أو البولو فهناك نواديهم الكثيرة يسمرون فيها الى ساعة متأخرة من الليل والتي يكلف الواحد منهم الخزينة السودانية ما يترواح بين عشرة اللآف من الجنيهات يحيون الحفلات الراقصة، ثم نوم هنيء مريء وأحلام سعيدة هانئة ! حقاً إن عبء الرجل الأبيض لعبء ثقيل فادح!))

 لعمري إن هذا القول من معاوية في تلك الحقبة ماكان يجروء مجترئ على قوله، بل رأينا وبعد هذا التاريخ بأمد كيف كتب رموز حركتنا الوطنية للإستعمار وزيلوا خطاباتهم له بعبارة (خادمكم المطيع- ابراهيم أحمد- رئيس مؤتمر الخريجين.)، وابتدأت المذكرة بعبارات من شاكلة:
((يا صاحب المعالي يتشرف مؤتمر الخريجين العام ان يرفع لمعاليكم بصفتكم ممثلين لحكومتي صاحب الجلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى والملك فاروق ملك مصر)).. راجع محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث، 1820-1955، مركز عبدالكريم ميرغني ط1 2002، ص533).
هولاء كان فيهم ممن ذكر الأستاذ محمد عبدالخالق وأكثر منهم، ولكنا لسنا بصدد نقدهم الآن، بل بصدد توضيح الموقف الصمدي الفريد، فما كان من تعميم في حديث الأستاذ النور هو مراعاة منه لطبيعة مقاله، وحقله المعرفي، وإلا فإن لدينا من الشواهد والمراجع ما نثبت به خور وضعف الحركة الوطنية عموما، وبالأخص الذين ذكرهم الأستاذ محمد عبدالخالق.
 ومقالات معاوية كثيرة ومتنوعة في نقد الإستعمار وسياساته ليس في ذلك شك، ولكن الغريب أن يحصر الأستاذ محمد عبدالخالق المقارنة التي أجراها الأستاذ النور، بين معاوية والطيب، في النضال ضد الإستعمار، وكأن الطيب صالح ومعاوية رمزين من رموز النضال ضد الإستعمار! كتب الأستاذ محمد عبد الخالق:
 ((مع ذكر الحكم والحكام والمستضعفين والاستعمار وحقوق بنى البشر يتصور المرء ان لمعاوية باع كبير في هذا النضال يتقزم أمامه الطيب صالح)).
 في حين أن مقارنة الأستاذ النور حمد بين معاوية نور والطيب صالح مقارنة نقلها الأستاذ النور من كلام الطيب صالح، مما خطه بيديه، مؤكدا فيه على مقاومة معاوية ونضاله ضد الإنجليز.. نقل النور حمد عن الطيب صالح:
الطيب صالح
 ((كانوا يريدون أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن يبحث عن مفتاح للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم وانهزم، لأنه جاء باكراً، أبكر مما يجب، ولم يكن أمثاله كثيرين)).
 ومقارنة النور تقوم هنا في عبارة واحدة وهي مقولة الطيب: (وانهزم..)
 فرؤية الطيب صالح للإنهزام توضح مفتاح شخصية الطيب، ومن هذا المفتاح نستطيع الدخول لعوالم الطيب "غير الروائية" لنجد فيها إنسانا دمثاً وطيباً ومؤدباً ومهذباَ ولكنه غير صدامي، ولا يحب المواجهة، ويكره الخروج على المألوف، ويحب الهدوء، ويفضل أن ينحني للعاصفة لكي تمر- كما وضح الأستاذ النور في مقالاته حيث قال:
 ((فربما حالف الأستاذ الطيب صالح الصواب أكثر، لو أنه نعى على الظرف غير المواتي الذي أحاط بعبقرية معاوية، بدلاً عن نعيه على معاوية كونه لم يرتض الحلول الوسط، واختار مواقف صارمة مما يحيط به، أو كونه اختار خيارات لم يكن الواقع مهيأً لقبولها، في ذلك الوقت)).
 هنا جوهر المقارنة، ويجب ألا يتم اختزالها وكأنها مقارنة (مناضل سياسي بمناضل سياسي آخر)، كما حاول أن يقول الأستاذ محمد عبدالخالق لأن نص الأستاذ النور الأهم هو:
((فشمل صدامه أسرته، والمستعمر، والقالب الذى أراد أن يصب فيه ناشئة المتعلمين السودانيين))
 مما يعني أنه لم يقصد النضال السياسي فقط وإن عُرف ذلك عن معاوية أيضاً.. هذه نقطتنا الأولى في ما نقلناه عن كتابة الأستاذ محمد عبدالخالق وأما نقطتنا الثانية في ذات الجزئية فهي قوله: ((بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه تجاه قضية الاستعمار واستقلال السودان)).
ولعمري لست أدري كيف يمكن الخلوص الى عدم صدام معاوية بـ(استهجان) الكثير أو القليل لعمله؟!! فمن هم هولاء الذين إستهجنوا موقف معاوية؟ هل هم ياترى جماعة (خادمكم المطيع) أم جماعة (ياصاحب السعادة) الذين "تخوتنا" الإذاعات بنضالهم مما لم يتم استهجانه (من قبل الكثيرين).
أما نقطة الأستاذ محمد عبدالخالق الثانية –وهي مرتبطة بالجزئية الآخيرة من نقطته الأولى- هي:

((كان معاوية يرى، ومعه في ذلك محمد عثمان القاضي، ان المستقبل الامثل للسودان هو ان يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية، يعنى لا استقلال ولا يحزنون)).
 ويستطرد الأستاذ محمد عبدالخالق في الشرح أكثر فيقول:
((بل كان معاوية من دعاة التعاون بين الانتلجنسيا السودانية والبريطانيين وذلك حتى لا يسيطر زعماء القبائل على السياسة السودانية)).
هنا يظهر جلياً تحوير الحقائق... فدعوة معاوية للتعاون بين ما أسماه الأستاذ محمد "الإنتلجنسيا" السودانية والبريطانيين، هو في حقيقته موقف مصادم للإستعمار الإنجليزي لا العكس. فالنظام الإستعماري فرض بعد عام 1924 سيطرة زعماء القبائل على السياسة السودانية!!! ولقد رأينا كيف واجه المستعمر رواد مؤتمر الخريجين فيما بعد، بأنهم ليسوا ممثلي الشعب بل زعماء القبائل هم ممثلوه. (راجع القدال، مصدر سابق).
لهذا فإن الأصوب أن يكتب الأستاذ محمد:

 (الإنتلجنسيا السودانية والبريطانية)
 لأن الإستعمار في نظر معاوية ذو وجهين أولهما كولونيالي إستغلالي، وثانيهما ثقافي حضاري، وإلا فإن قوله بتعاون معاوية والانتلجنسيا السودانية بكفة، مع بريطانيا (مجردة هكذا) في كفة أخرى، يعد تزييفا لا غير. فالتعاون بين الثقافة الحقة في الغرب وبين ثقافتنا لا يعد غير دليل على الوعي بأفضل طرق للمصادمة.. هي المصادمة المعنية هنا لا الإستكانة. والغريب أن هذا ما لاحظه الطيب صالح، الذي إنبرى الأستاذ محمد للدفاع عنه. قال الطيب صالح: ((كانوا يريدون أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن يبحث عن مفتاح للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم)).
 وهذا هو عين ما سبق أن أشرت إليه، بأن التعاون بين الانتلجنسيا السودانية والبريطانية لم يكن تعاونا إنهزامياً، وهو نفس ما عبر عنه الطيب صالح.
أما قول الأستاذ محمد عبد الخالق:

((..أن المستقبل الامثل للسودان هو ان يكون تحت ظل وزارة المستعمرات البريطانية ، يعنى لا استقلال ولا يحزنون))
فهو قول مستغرب من الأستاذ محمد عبدالخالق وغريب أن يصدر من شخص في مكانته، فأدنى معرفة بالتاريخ السياسي السوداني تجعلك تدرك تماما أن مفهوم (الإستقلال نفسه، ومعه يحزنون، مثل حزننا الآن) لم يكن متوفرا في السياسة السودانية حتى (1945)، وأن أول من نادى بالإستقلال التام (عن بريطانيا ومصر سوية) وإقامة جمهورية سودانية مستقلة هو الحزب الجمهوري في التاريخ السابق. وكان من المعروف أن الحركة الوطنية برمتها قد إنقسمت الى قسمين أحدهما يرى ضرورة التعاون مع بريطانيا لإيقاف الأطماع المصرية في السودان، وثانيهما يرى العكس وهو التعاون مع مصر، ومعاوية عندما يعبّر عن وجود السودان تحت ظل وزارة المستعمرات لا يكون معبرا عن رأي إنهزامي أو غير صدامي للإستعمار.. ولكن ما إستوقفني هي عبارة (المستقبل الأمثل للسودان) وهذه طبعا لا يمكن أن تكون قد صدرت عن معاوية نور، لأنه وكما هو متاح في مقالاته كان يرى ضرورة وحدة وادي النيل وكان يتحدث دوما عن وادي النيل وأدب وادي النيل!!! ولأن النقل من كتاب محمد عمر بشير يقول وبالحرف:
(
بأن المستقبل في ظل وزارة المستعمرات يعتبر أفضل حل لمشكلة السودان)(م ع بشير ص173 مصدر وارد في مقالة الأستاذ محمد عبدالخالق)

 وليس كما ذهب الأستاذ محمد بأنه (المستقبل الأمثل)!! وشتان بين أفضل حل لمشكلة وبين الحل الأمثل!!
وفي نقطته الثالثة يقول الأستاذ محمد عبد الخالق:
((
كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية، فلم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932، رفضها بحجة انها غير مناسبة لرجل في مؤهلاته. وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173).))

 وكنت قد قلت سابقا بأن مقال الأستاذ محمد عبد الخالق يخلو من المراجع خصوصا وأنه يريد أن يوهمنا بعكس ما هو معروف بطريقة توهم القارئ بأن هذا هو المعروف.. وكمثال فقط:
((لم يعرف عن معاوية نور صدام مع الاستعمار بل كان له موقف استهجن من قبل الكثير من معاصريه))
بالطبع فإن من يقرأ هذه الجملة يظن بأن كاتبها قالها ولديه المراجع الكافية ليدفع الإفتراء ويفتري هو.. ولكن الحق أن هذه الجملة بكلياتها عكس أي مرجع "مزعوم" في هذه المقالة فلا يمكن أن تكون قد وردت لدى الدكتور الفاضل "محمد المهدي بشرى" كما لا يمكن أن تكون قد وردت في كتاب "محمد عمر بشير" لأن المراجع التي بطرفنا جميعها تؤكد عكس هذه المقولة تماما. كما أنها تؤكد خطأ مقولة الأستاذ محمد عبد الخالق.
((كان معاوية مرضياً عنه من قبل الادارة الاستعمارية))
فهنا أيضا نلمح العبارة الواثقة التي لا يمكن أن يتصور قارئها بأنها غير مسنودة بمراجع!! ولكن ما تقوله الوثائق يعارض تماما ما يقوله الأستاذ محمد عبد الخالق، ولندع معاوية يحدثنا. يقول معاوية:
((
ولأضرب مثلاً صغيراً وقع لي، لانه دليل واضح على سياسة التعليم في تلك البلاد. بعد أن أتممت دراستي بكلية غردون وأردت أن أتعلم في الخارج لحسابي قامت في وجهي عراقيل كثيرة. فتارةً يمانعون في إعطائي جوازاً للسفر، وطوراً يفهمونني أنني سوف لا أُوظف في الحكومةعند عودتي، وحيناً آخر يعرضون على مرتباً ضخماً لكي أنثني عن عزمي. فلما لم ينفع كل ذلك، ذهبت إلى جامعة بيروت الأمريكية وتخرجت ثم ذهبت في الصيف الماضي للخرطوم، وطلب مدير المعارف هناك مقابلتي، وكنت مرشحاً للتعليم بكلية غردون فذهبت إليه وقابلته وعلمت عقب محادثتي هذه معه أنه كتب عني إلى من يهمهم الأمر: (not the type, too clever) ومعنى ذلك بالكلام البلدي )مش العينة المطلوبة. ده بيفهم!) ولهذا السبب أنا خطر على زعمه في كلية غردون، لايمكن قبولي مدرساً بها. بل الأفضل أن أكون بعيداً عن الطلبة والتعليم!)) من مقاله (سياسة التعليم في السودان- بتصرف)
هل هذه صورة شخص كان مرضياً عنه من قبل الإدارة الإستعمارية؟ بل الأدهى هل يمكن أن تكون هذه صورة لشخص: ((
لم يحتج البريطانيون على تمرده على القالب الذى صاغوه لناشئة المتعلمين السودانيين كما زعم النور بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه)) وبماذا كافأه البريطانيون على تمرده على قالبهم التعليمي؟! بوظيفة لا تمت لدراسته المتمردة بصلة!! أم بعدم قبوله مدرسا في كلية غردون!! يقول محمد عبد الخالق: ((بل سعوا لمكافأته على نبوغه وتفوقه، فقد عرضت عليه وظيفة بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932))!!
لهذا فقد قلنا قبلا عن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق (إن الحقائق والمواقف لتبدل والأقوال لتخرج في غير مقصدها) لأن المستغرب هو أن يعطى معاوية وظيفة (
بمصلحة المالية بعد عودته من بيروت عام 1932!!!)-التعجب لنا- وهو الرجل الذي درس الآداب وكان- كما قال: (مرشحاً للتعليم بكلية غردون) فالتدريس في كلية غردون هو الوضع الطبيعي، لشخص كمعاوية، مثله مثل إسماعيل الأزهري الذي درس في بيروت ودرّس في غردون ولكن بدلا عن هذا يخبرنا الأستاذ محمد عبدالخالق:

 ((وقد عين معاوية في 1934 سكرتيراً للغرفة التجارية في السودان (انظر محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان).))
لماذا ننظر لمحمد عمر بشير ونحن نعرف هذه المأساة التي حولها لنا الأستاذ محمد عبد الخالق، وببساطة، لمكافأة وتقدير!! 

ثم يقول الأستاذ محمد عبدالخالق (انظر محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1960 ، الدار السودانية للكتب ، 1980 ص 173.)
وبالطبع فإن المرء عندما يثبت مرجعا فهو يريد أن يثبت به واقعة ما، فماذا يوجد بالضبط في صفحة 173 من كتاب محمد عمر بشير..بالطبع فإن ما يوجد في تلك الصفحة لا يخول للأستاذ محمد عبدالخالق أن يقرر لنا تواطؤ معاوية مع الإنكليز أو رضاهم عنه، أو منحهم له الجائزة تلو الجائزة. كما ان تلك الصفحة لا تنفي بالمقابل نضال معاوية ضد الإنكليز، أو دوره الريادي في كافة القضايا الثقافية والسياسية. أزيد من هذا فإن المرجع يظهر وكأنه حجة لكل ما كتبه الأستاذ محمد عبدالخالق من آراء مما يجعل القارئ يظن أن آراء الأستاذ محمد هي عين ما ورد في مرجع الأستاذ محمد عمر بشير!!
في حقيقة الأمر أن تلك الصفحة من كتاب الأستاذ الفاضل/ محمد عمر بشير، وتلك المقالة للدكتور الفاضل/ محمد المهدي بشرى، لا تجعلا هذا الكم الهائل من الإفتراء حقا.. 

الشاعر: محمد المهدي المجذوب
الواضح حقا، أن الأستاذ محمد عبدالخالق، وفي سبيل محاولاته لدفع الإفتراء، قد دفع الحقائق حتى سقطت وتحطمت وأحزننا ذلك من شخص في قامته وتاريخه...فهل يعقل، وكمثال فقط، أن: (محمد المهدى المجذوب) يمكن أن ينضم الى (كثير من مبدعينا، والبعض من خيارهم وابقاهم اثراً، لم يتنكبوا أحصنة المعارضة للحكام والصدام)!!! كما قال الأستاذ محمد-التعجب لنا- هل هذا هو المجذوب الذي نعرفه، من رعيل الجمهوريين الاوائل والذي كان من أصلب الشعراء وقوفا ضد الإستعمار، وله ديوان شعر عنوانه (المنابر) أم أن "مجذوبا" غيره في تاريخ ووثائق أخرى.. 


(٢)
الأدهى (والأنكى) هو ما قام به الأستاذ محمد عبد الخالق – في آخر المقال- من "مطاعنات" كقوله:
 ((والمؤسسات هي الاجدر في ظنى بنقد من يدعى الانتماء لحركة تنوير ما. وصحن الدكتور النور حمد طافح بما يستحق النقد في هذا الشأن فيما يتعلق بماضى حركته تجاه الحكام والمستضعفين من الرجال والنساء، ولا اعنى بذلك مماحكة سياسية تربط حركته بنظام نميرى وإنما اعنى لحمة الفكرة وسداها كما عبر عنها الاستاذ محمود محمد طه منذ خطابه للواء محمد نجيب بعد ثورة يوليو المصرية الى مواقف بعينها حول قضايا الديمقراطية والسلام والتغيير الاحتماعي))!! -التعجب لنا-.
وكعادته-في هذا المقال- فإن الأستاذ محمد عبدالخالق وهو يحاول الدفع أو الدفاع يضل الطريق الى أشخاص متوهمين أو أفعال متوهمة ويحاول إلصاقها في الواقع وبطريقة "متعالية" لا تمت للفكر بصلة.. وكالعادة دون مراجع أو مصادر.. ثم كالعادة بصورة مبهمة وغير متوقعة إطلاقا!!
ولو كان رد الأستاذ محمد بأنه ما أراد التفصيل لخصوصية ورقته، فلماذا أقحم هذه النقطة بالذات في أمر لا يمثل فيه الأستاذ النور مؤسسة أو حزب أو جهة بل يمثل أفكاره الشخصية وهو شخص راشد يمكنه أن يرد ويتحمل نتيجة فعله. ولماذا هذا التجني على شخص وعلى مجموعة مثل الأستاذ محمود والأخوان الجمهوريين؟!!
وعلى العموم فإن مقال الأستاذ محمد عبدالخالق هذا، ووفقا لماذكره فقط، يمتلئ بالأخطاء، فليس الأستاذ محمود- فكرا وشخصا- بمن يحق فيه أن يقال:

 (يدعي الانتماء لحركة تنوير)
 لأنه لا يدعي بل هو وبحق من رموز التنوير، وله أطروحة فلسفية متكاملة، كانت، ولا زالت، صاحبة الريادة في كثير من قضايا الحقوق والتنوير. وليس أمر الفكرة الجمهورية، ولا الأستاذ محمود، بمبهم أو غامض فهو مبذول وميسر لكل من أراده في كتب الجمهوريين وفي موقعهم على الإنترنت www.alfikra.org، وللأستاذ محمود محمد طه أكثر من ثلاثين مؤلفاً، كتبت في أربعين عاما، ولست أدري كيف يمكن أن تؤخذ (لحمة الفكرة وسداها) من خطاب واحد وجه لـ (محمد نجيب) أو من أي موقف كان، دون كتب الأستاذ محمود التي وقف نفسه لنشرها وشرحها بين الناس.


الاستاذ محمود محمد طه
ثم.. ماذا يوجد في خطاب (نجيب)! أو في مواقف الأستاذ محمود يمكن أن نفهم منه ما ذهب اليه الأستاذ محمد عبدالخالق؟! ولقد كان في وسع الأستاذ محمد عبد الخالق أن يتناول خطاب الأستاذ محمود إلى اللواء نجيب في مقالة منفصلة، بدل أن يلمح إليه بمثل ذلك التلميح المبتسر، المحشور حشرا بغير مبرر! اللهم إلا مجرد الإيحاء للقراء بأن ذلك الخطاب وثيقة سرية حصل عليها الأستاذ محمد عبد الخالق، وليس نصاً معروفا نشره الأستاذ محمود في كتبه.
إن القاصي والداني وكل صاحب فكر حر يعرف أن الأستاذ محمود أصلب من قاوم الإستعمار، وأشد من دافع عن الحرية والديمقراطية والمستضعفين، وقدم نفسه رخيصة دفاعا عن الشعب الذي يجلد ويذل على يد المهوسيين، في حين قبع الكثيرون داخل أقبيتهم المظلمة يتفرج على المهازل والمشانق المشرعة. 



ثم لا أدري كيف وقع هذا التقرير من الأستاذ محمد عبدالخالق:
(
وقد بدأ حقيقة أثر الايديولوجيا ثقيلاً في مساهمة الدكتور النور مع اسقاط هذه الاسماء والزج باسم الاستاذ محمود محمد طه في قضية لم يكن اصلاً طرفاً فيها!!!)-التعجب لنا- ويزداد التعجب عندما نسمع عن جوهر القضية من الأستاذ محمد عبدالخالق:
(
فاذا كانت القضية هى حول الذاتية السودانية في علاقة ادابنا بالمصريين، وهى بالفعل موضوعة مركزية فى المقال، فالاولى ذكر هؤلاء الكتاب لا الاستاذ محمود محمد طه)!! -التعجب لنا-


ولا أدري هل الأستاذ محمد عبدالخالق من المضللين "بفتح اللام" أم من المضللين "بكسرها" الذين أغفلوا دور الأستاذ محمود في الساحة الأدبية والثقافية والسياسية وهو المولود في ذات العام الذي ولد فيه معاوية وكان له من الإسهامات الأدبية والسياسية، الشيء الذي لا ينكره مفكر حر.. 

ففي قضية الذاتية السودانية، بالذات، وعلاقتها بالمصريين أدبا وسياسة كان له باعا طويلا مما طاب للأستاذ محمد أن يسميه (اللهم الا اذا كان الحوار مع اسماء مصرية شهيرة هو اساس التقرير بالشبه بين معاوية نور والاستاذ محمود محمد طه)
وبالمقابل فإن ما أسماه الأستاذ محمد عبدالخالق مجرد (حوار مع اسماء) كان هو نفسه -وللعجب- دليله على ريادة محمد أحمد المحجوب التي حاول أن يشطره بها مع معاوية!! فهو ولإثبات ذلك قال عن الدكتور محمد المهدي بشرى:
(
لكنه اثبت معركة محمد احمد المحجوب مع الكاتب المصري حسن صبحى حول علاقة الثقافة السودانية بالمصرية)!! 



فهل يا ترى كانت تلك المعركة، التي قصدها الأستاذ محمد، مما يُعد لها المشرفية والعوالي! أم أنها كانت على أسنة الأقلام وهيجاء الورق! ولماذا يعد هذا موقفا رياديا ولا يعد موقف الأستاذ محمود الذي نادى، أول ما نادى، المحجوب والأزهري وكل رواد الحركة الوطنية، قائلاً:
(هذا نذير من النذر الأولى ..... ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة – أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها .. ياهؤلاء، وهؤلاء، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز، فاذا اجتمعت كلمتكم فانما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا ..)
لا أدري أبدا، ما هو السبب الذي يجعل المحجوب رائدا من رواد الدفاع عن الثقافة السودانية، لمجرد أنه ناقش شخصية مصرية، في حين تصبح كل حوارات الأستاذ محمود محمد طه مع كل العرب الذين ملأت شهرتهم الآفاق، مجرد زج "أيدلوجي"! الحق إن تجني الأستاذ محمد عبدالخالق يستشعر المرء من خلفه غرضا، ويشتم شميم ضغينة لا مبرر لها.
ومن التزييف أن يكون هناك كثر مع معاوية ممن كان لهم اسهاما "كبيرا" في الساحة الثقافية، ثم لا يكون هذا الإسهام واضحا للعيان الا بعد أن (يُحقق ويُوثق) في (مقالة) يتيمة للدكتور (بشرى) قبل أكثر من "ثلاثين" عاما –وهي ليست بالعمر الطويل كما يتوهم القارئ، أو الأستاذ الخال/ محمد عبدالخالق فلقد كنت مولودا وقتها وليس تاريخ ولادتي بعمر طويل لو حسب- في حين أن اسهام معاوية لم يكن محتاجا للدكتور بشرى من أساسه. كما أن تردي الواقع الثقافي لم يذكره النور حمد من هواه بل ذكره (وبنقل طويل) من "حسن نجيلة" لن نتطرق له كله الآن ولكننا سنورد جزءا منه حتى يستقيم في اذهان القراء مدى الإفتراء الذي وقع على الأستاذ النور، فلقد نقل النور عن حسن نجيلة الذي كتب عن زيارة العقاد للسودان:
(
تحدث حديثاً سامياً رفيعاً صعُب على كثيرٍ من المستمعين أن يلاحقوه فيه)..
وقال أيضا :
(
ولما فُتح باب النقاش عقب المحاضرة ظهر قصور آفاقنا الثقافية آنذاك عن مناقشته)
وآنذاك هذه تعني إبان الحرب العالمية الثانية أي بعد وفاة معاوية ومن ذكرهم الأستاذ محمد أحياء. ويقول نجيلة أيضا فيما نقله عنه النور:
(
أما الذين تصدوا للنقاش فسرعان ما تكشف ضعفهم فاستسلموا صاغرين)
هذا ما هو "محقق وموثق" قبل أن يكتب الدكتور محمد المهدي بشرى مقالته. فلو كان الأستاذ محمد عبدالخالق يريد أن يحاسب احدا على قوله بتردي (وبلقع) الساحة الثقافية فليذهب بمقالته للمرحوم "حسن نجيلة" وليخبره بمقالة الدكتور الفاضل/محمد المهدي بشرى، التي نفى فيها ذلك (الضعف، والإستسلام، والصغار)...
.. وهذا ما جعل معاوية (
نسيج وحده، ولا يزال، إلى اليوم، نسيج وحده! ومن جنس العباقرة الذين يعيشون وحيدين، ويموتون وحيدين)
وأما ما لم يُذكر في مقال الأستاذ النور حمد، هو أن معاوية كان رائدا في كل هذا، ليس في السودان وحسب بل في العالم العربي أجمع!! لقد كان معاوية رائد "النقد" العلمي في العالم العربي في حين كان غيره يذهب "للشخصنة" أو "للسرقة" بما فيهم "طه حسين" (ويمكنك مراجعة كتابة معاوية عن طه حسين في مجموعتي المقالات). وكان معاوية رائد "القصة التحليلية" في العالم العربي، وكان معاوية رائد "القصة القصيرة" الحقة لا ما سميت مجازا بقصة قصيرة في مصر وهي في حقيقة الأمر عبارة عن سرقات أدبية كتبنا عنها في أكثر من مقال. وكان معاوية رائد "الحداثة" في العالم العربي. وكان معاوية رائد "الترجمة عن الأفراد" فهو أول من عرّف الناس بـ"اليوت وغيره" لا أدونيس وصحبه. كان معاوية رائد "فن التفكير العلمي"، لكل هذا فإن مجرد مقارنة معاوية (بالمحجوب) أو سواه من شاغلي حقل الأدب هي قسمة ضيزى. 


ما كان للأستاذ محمد عبدالخالق أن يتجنى على معاوية في محاولته تخليص غيره، وما كان له أن يزيف التاريخ بصورة شنيعة حتى يستقيم له ما أراد، وما كان له أن يبتر السياقات ويخرج المواقف تخريجات غير سوية، وما كان له أن يحاول إيهام القارئ بحقائق لم ترد إطلاقا ويحاول التأصيل لها في مراجع لا أخالها تسعفه في ذلك. بل كان عليه أن يقرأ مقالات الأستاذ النور حمد بصورة مجردة، ودون استبطانات مسبقة، حتى لا يصيب بسهامه آخرين لا ناقة لهم في الحديث ولا جمل.
ولا يفوتني في الختام أن أقرر كبير إحترامي ومحبتي وتقديري للأستاذ محمد عبدالخالق ولإبداعه واسهامه في الساحة الثقافية.. فله سلامي وتحياتي. 

قصي مجدي سليم-الخرطوم 

23/يناير/2010

التسميات: